الصفحة 162 من 513

ويلتقي أبو الحسن القابسي مع ابن سحنون في ضرورة الرفق بالصبيان وعدم

تجاوز الثلاثة في التأديب ، وإنما يلجأ إلى الضرب فقط عندما لا ينفع العذل

والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب لعِرْض ، يقول أبو الحسن

القابسي: (وإذا استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث ، فليستعمل

اجتهاده لئلا يزيد رتبة فوق استئهالها ، وهذا هو أدبه إذا فرّط فتثاقل عن الإقبال

على المعلم ، فتباطأ في حفظه ، أو أكثر الخطأ في حزبه ، أو في كتابة لوحه .

ولئن سمح القابسي للمعلم بمعاقبة التلاميذ بهذا القدر من الضرب إلا أنه علّق

ذلك على مدى استئهال التلميذ لذلك ، وقيّده بثلاثة ، واشترط في تجاوز الثلاثة إلى

العشرة مشورة أبي الصبي أو ولي أمره ومدى احتمال الصبي للضرب فوق الثلاثة

إذا استأهل ذلك ، وألا يتعدى أثر الضرب الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المُضِر . وعلى الجملة: فالمعلم عنده عوض عن الأب بالنسبة للصبيان(فهو المأخوذ بأدبهم ، والناظر في زجرهم عما لا يَصْلح لهم ، والقائم بإكرامهم على مثل منافعهم ؛ فهو

يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم ، ولا يخرجهم ذلك من حسن رِفْقه بهم ، ولا من

رحمته إياهم ؛ فإنما هو لهم عوض من آبائهم ) [6] ويعلل القابسي ذلك بقول

الرسول -صلى الله عليه وسلم-:(اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم

فارفق به) [7] ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-:(إن الله يحب الرفق في الأمر

كله) [8] .

وقد تحدث ابن الجزار القيرواني الطبيب عن الفرق بين الصبيان في مدى

قبولهم للأدب ؛ إذ منهم من يتقبل الأدب قبولًا سهلًا ، ومنهم من لا يقبل ذلك ،

ومنهم من إذا مُدِحَ تعلم علمًا كثيرًا ، ومنهم من يتعلم إذا عاقبه المعلم ووبخه ، ومنهم

من لا يتعلم إلا إذا استعملت معه أساليب أشد تعنيفًا كالضرب مثلًا . ولذلك قرر ابن

الجزار مراعاة هذه الفروق الفردية ، واتباع الأسلوب المناسب لتأديب كل صبي بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت