فهرس الكتاب
يناسبه من الأساليب ؛ حيث قال: (فأما إذا كان الصبي طبيعته جيدة ، أعني: أن
يكون مطبوعًا على الحياء وحب الكرامة والألفة محبًا للصدق ؛ فإن تأديبه يكون
سهلًا ، وذلك أن المدح والذم يبلغان منه عند الإحسان أو الإساءة ما لا تبلغه العقوبة
من غيره ، فإن كان الصبي قليل الحياء ، مستخفًا للكرامة ، قليل الألفة ، محبًا
للكذب ، عسرًا تأديبًا ، ولا بد لمن كان كذلك من إرهاب وتخويف عند الإساءة ، ثم
يحقق ذلك بالضرب إذا لم ينجح التخويف [9] .
وقد بين الغزالي أن الطريق في رياضة الصبيان وتأديبهم ينبغي أن يؤسس
على الرفق واللين ، والثواب والمدح لا العقاب والشدة والتعنيف ؛ حيث قال:(ثم
مهما ظهر من الصبي من خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ، ويجازى
عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس ، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة
واحدة ؛ فينبغي أن يتغافل عنه ، ولا يهتك ستره ، ولا يكاشفه ، ولا يظهر له أنه
يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ؛
فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة ، فعند ذلك إن عاد
ثانية فينبغي أن يعاقب سرًا ويعظم الأمر فيه ، ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك
لمثل هذا ، وأن يُطّلع عليك في مثل هذا فتُفضح بين الناس . ولا تكثر القول عليه
بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة ، وركوب القبائح ، ويسقط وقع
الكلام من قلبه) [10] .
أما العلاّمة ابن خلدون فقد عقد في مقدمته فصلًا في أن الشدة على المتعلمين
مُضرّة بهم ، أشار فيه إلى الأضرار الخطيرة التي تعود على الفرد في مرحلة الرشد ، وعلى المجتمع بأسره نتيجة الشدة والتعنيف في تأديب الولدان في الصّغر ، وما
ينجرّ عنها من فساد وسوء خلق وتعوّد على الكذب والخبث والكيد والمكر والخديعة ؛ لأن الراشد قد تعوّد في صغره التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط