الصفحة 187 من 513

ويقول الله عزّ وجلّ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة

والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه: ? إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ

تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ ? . [الأعراف: 201] .

قال الفاروق عمر رضي الله عنه:(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها

قبل أن توزنوا ، وتزيّنوا للعرض الأكبر ? يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ?

[ الحاقة: 18] ) [12] .

ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله:(المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله ،

وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنّما شق الحساب يوم

القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة) [13] . ويقول ميمون بن مهران: (إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه) [14] .

ويحذّر ابن القيم رحمه الله من إهمال محاسبة النفس فيقول:(أضرّ ما على

المكلّف الإهمال وترك المحاسبة ، والاسترسال ، وتسهيل الأمور وتمشيتُها ؛ فإن

هذا يؤول به إلى الهلاك ، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ،

ويمشّي الحال ، ويتكل على العفو ، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة ، وإذا

فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها) [15] .

ولنستمع إلى هذه الكلمات الجميلة لأبي حامد الغزالي في (الإحياء) وهو يصف

أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحيّة فيقول: (فَعَرف أربابُ البصائر من

جملة العباد أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد ، وأنهم سيناقشون في الحساب ويُطالبون

بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللحظات ، وتحقّقوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطاء إلا

لزوم المحاسبة وصدقُ المراقبة ومطالبةُ النّفْس في الأنفاس والحركات ، ومحاسبتُها

في الخطرات واللحظات . فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابُه ، وحَضَرَ عند السؤال جوابُه ، وحسُن منقلبُه ومآبُه . ومن لم يحاسب نفسَه دامت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت