رحمه الله تعالى يتطلب تأسيس العمل على نيّة تستهدف أعلى درجات الكمال
المستطاع ، وإلا كان التوقف والتهافت والنكوص ؛ ولذا يأمرنا القرآن الكريم بأن
نجاهد في الله حقّ الجهاد ، وأن ننشد الأفضل ، ونُسابق على المراتب الأولى ،
ويأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نقنع ونرضى بما قسم الله لنا من نعيم
الدنيا ، وأن نسمو إلى مَنْ هم أَسْمى منا في مضمار التقوى والعمل الصالح . يقول:
(خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا ، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله لا
شاكرًا ولاصابرًا: مَنْ نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ، ونظر في دنياه
إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه ، كتبه الله شاكرًا صابرًا . ومن
نظر في دينه إلى من هو دونه ، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته
منها لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا) [3] .
ومن الثابت قطعًا أنّ الله تعالى لم يكلّف نفسًا إلا وسعها ، ولم يأمرها إلا بما
تستطيع ؛ ولكن الوُسْعَ في قوله تعالى: ? لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا ?
[البقرة: 286] ، والاستطاعة في قوله عز وجل: ? فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ? [التغابن:16] لا يدل أيّ منهما على تكليف الفرد أو الجماعة ببذل أدنى الجهد ؛ بل كلاهما دليل على التكليف ببذل أعظم الجهد ، وهذا ظاهر في كلمة ? وسْعَهَا ? .
قال الرازي:[والوُسْع والسّعة بالفتح الجدة والطاقة ، وأَوْسَع الرجل صار ذا سَعَة
وغنى ومنه قوله تعالى: ? وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ ? [الذاريات: 47] أي
أغنياء قادرون ، والتوسيع خلاف التضييق .. ] [4] ، وقال صاحب الظلال في
تفسير قوله تعالى: ? وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ? [الأنفال: 60] فهي
حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة