الصفحة 21 من 71

القول الثاني: هو أن الأقطار المتنائية لا يثبت الهلال في بعضها برؤية البعض الآخر، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء أيضًا، وهو مبني على حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو في مسلم (1087) -وبوب عليه النووي: باب بيان أن لكل بلدٍ رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلدٍ يثبت حكمه لما بعد عنهم- بإسناده عن كريب، أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية -رضي الله عنه- بالشام، قالت: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية -رضي الله عنه-، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين، أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية -رضي الله عنه- وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وحينئذٍ لا يعمل بالرؤية البعيدة، وبخاصة إذا كان البلدان لا يشتركان في ليل واحد، بحيث إنه ينقضي الليل في أحدهما قبل وصوله إلى المكان الآخر، ففي المسألة خلاف بين العلماء، وحتى في المجامع الفقهية، حيث قرر المجمع الفقهي بأن الاعتبار بالرؤية، وأنه يستأنس فقط بالحساب الفلكي الذي يعتمد على سير القمر، وعلاقة القمر بالأرض وبالشمس.

القول الثاني: يقول إن الحساب قطعي، وأنه يعتمد عليه، فهو يثبت الحساب على هذا الهلال، وهذا ما ذهب إليه المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء.

فالمسألة واسعة إن شاء الله، فيمكنهم أن يصوموا إذا شاءوا مع السعودية أو مع أي بلد آخر إذا ثبتت الرؤية فيه ثبوتًا شرعيًا، كما يمكنهم أن يتحروا الهلال في بلدتهم أو في مكان قريب من بلدهم، حيث قلنا إن تنائي الأقطار يمنع من اعتبار الرؤية في مكان آخر، مع الاستعانة بالفلك وبالمراصد أيضًا، ففي هذا الزمان تطور هذا العلم تطورًا كبيرًا، بحيث -كما يقول البعض-: إن الإبرة إذا أرسلت في الجو يمكن الاهتداء إليها، فكيف بالقمر الذي يكون قد ولد أو خرج من الاقتران، وخرج من شعاع الشمس، أي: بعد ساعتين أو ثلاث ساعات من خروجه من شعاع الشمس فإنه يرى، إذا كان خرج منه في وقت يمكن أن يرى في ذلك المكان.

إذًا فالمسألة واسعة، نرجو من المسلمين ألا يختلفوا، فمن منهم قلد من يقول: إن تنائي الأقطار مانع من الإتباع فإنه قد قلد قولًا قويًا، ومن قلد كذلك القول الذي يقول بأن رؤية أي بلد تنسحب على البلد الآخر فهو قول أيضًا جيد، ومن استأنس وبحث عن الحساب الفلكي ليثبت به أو ليؤكد به رؤيته فهذا أيضًا دليل جديد قد يساعد كثيرًا على الترجيح.

إلا أنه إذا رئي الهلال قطعًا، وقال الحساب الفلكي إنه لا يرى فحينئذ لا نعتمد على الحساب الفلكي، خلافًا للمجلس الأوروبي الذي قال بالاعتماد على الفلك حينئذ، إذا رأته مستفيضة أي جماعة كبيرة فإننا نقدم الرؤية على الحساب الفلكي.

هذا باختصار ما نراه في هذه المسألة، ونوصي بعدم الافتراق وعدم الاختلاف، وأن يتباحثوا فيما بينهم، ويتفقوا على إحدى الطرق التي ذكرناها، فكلها منصوصة في كتب أهل العلم.

هل يجوز لدولة ما أن تبني صيامها على الحسابات الفلكية دون الرؤية العينية لهلال رمضان وكذلك الإفطار على نفس منوال الحسابات دون الرؤية؟

ثانيًا: إذا ثبت في هذه الدولة أن يوم العيد الذي عين على أساس أنه عيد هو متمم لرمضان وليس غرة شوال. . . ماذا على الإنسان في هذه الدولة هل يخالف ويصوم أم يفطر معهم ويصلي صلاة العيد معهم؟ علمًا بأن هناك خلافًا بين الناس: فريق ينادي بالصيام وفريق آخر يقر بعدم المخالفة.

الجواب:

ج1: هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى الاعتداد بالحساب مطلقًا ومنهم من لا يراه مطلقًا ومنهم من يفصل والراجح هو التفصيل وهو اعتبار الحساب في نفي الرؤية لا في إثباتها فإذا كان الحساب الموثوق يمنع من الرؤية فإنه لو جاء أحد وقال: إني رأيت الهلال لن نقبل قوله لكن لا نثبت الهلال بمجرد أن الحساب يثبته لاحتمال أن يهل ولا يرى والعبرة بالرؤية لا بمجرد ولادة الهلال، والله أعلم.

أما من حيث العمل فإذا صام أهل بلدك فصم وإذا أفطروا فأفطر لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون ) )، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: (( الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس ) )قال الترمذي في جامعه: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.

ج2: يتبين من الجواب السابق أن الإنسان يتبع ما عليه أهل بلده من صيام أو فطر ولا يجوز له مخالفتهم قال الإمام أحمد في رواية: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم وقال: (( يد الله على الجماعة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت