الصفحة 28 من 80

ويُوضّح الإمام ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله ـ درجات إنكار المنكر وطريقة تقدير المصلحة والمفسدة ، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف مايحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ماهو أنكر منه وأبغض إلى الله فإنه لايسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله .. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولايستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة ، وصارت دار إسلام عزم صلى الله عليه وسلم على تغيير البيت ، ورده على قواعد إبراهيم عليه السلام ، ومنعه من ذلك ـ مع قدرته عليه ـ خشية وقوع ماهو أعظم منه ، من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام ، وكونهم حديثي عهد بكفر . ( )

ثم يذكر ـ رحمه الله ـ درجات إنكار المنكر:

الأولى: أن يزول المنكر ويخلفه ضده من المعروف .

ولاشك بأن هذا هو المقصد الأول للمحتسب في احتسابه ، وذلك بأن يذهب المنكر وينعدم ويستقيم حال المحتسب عليه على المعروف ، وهنا ترجحت المصلحة على المفسدة .

الثانية: أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته .

وذلك بأن يخف المنكر ويحدث الاحتساب في نفس المحتسب عليه أثرًا، ولكن هذا الأثر لم يجعله يترك المنكر ، بل ضعف عنده وقل ، وهنا فيه شبه تساوٍ بين المصلحة مع المفسدة في الأثر .

الثالثة: أن يخلف المنكر ماهو مثله .

بأن يستمر المُحَتَسبُ عليه في منكره ، فلم يتركه ، ولم يقل عنده ذلك المنكر الذي هو عليه ، أو تحول منه إلى منكر آخر مثله .

الرابعة: أن يخلف المنكر ماهو شر منه ( ) .

وذلك بأن يزداد المحتسب عليه في غيه ، وضلاله وبعده عن الحق وعن الطريق المستقيم .

ثم يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: ( فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة ) ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت