فهرس الكتاب
فأجاب: قد يجوز ذلك إذا كان هذا المنكر متمكنًا , ويصعب علاجه في أول مرة , وهناك منكرات أكبر منه , وقصد الداعية البداءة بالأكبر , رجاء القبول , ثم بعد ذلك يعود إلى الأصغر .
مثال ذلك: ما نقل عن بعض الدعاة أنه قدم على مناطق قد غمرها الجهل , حتى عبدوا القبور , واستباحوا الزنى والخمور , وشربوا الدخان , وأكلوا القات والشمة , ونحو ذلك , فبدأ هذا الداعية بالتعليم , وحثهم على تعلم القرآن وتدبره , وعالج الشرك ووسائله , وأقرهم على الدخان والقات والتبرج , لصعوبة التخلص منه , حتى إذا فقهوا وعرفوا الأحكام والحلال والحرام , هناك أقلعوا من أنفسهم أو بَيّن لهم حكمها وما يترتب عليها من المفاسد , مما حملهم على أن يتوبوا ويقلعوا عن جميع المعاصي .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يمر على من يلعب بالشطرنج أو الميسر ويتركهم , بحجة أنهم إذا منعوا من ذلك انشغلوا بما هو أكبر منه, كقطع الطريق , ففي مثل هذه الأحوال يجوز السكوت على بعض المنكرات , رجاء علاجها بعد ذلك بالتي هي أحسن .
فأما سكوت الداعية عن التغيير مع القدرة على النصح والتوجيه فلا يجوز إذا لم يكن هناك مبرر لهذا السكوت , كالسعي لعلاجهم بعد ذلك , فإن هذا السكوت يكون حجة لأهل المعاصي , بقولهم: فعلناه بحضرة العالم فلان وأقّرنا , ويتمكن هذا المنكر ويصعب علاجه , حتى ولو كان من صغائر الذنوب , أو مما يتهاون به العامة , ومع ذلك يلزم مراعاة ما يلي:
1 -أن يكون التأجيل لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء الإنكار بل إنك تنوي بقلبك تحين الفرصة المواتية والموقف المناسب لإنكاره .
2 -أن يكون المُحَتسَبُ عليه فعلًا لا يحتمل الإنكار ولذلك لا يصح بناء ذلك على المفاسد المتوهمة فتقول إنه ينفر إنه لا يطيق إنه لا يتحمل , وما يدريك لعله يقول شكر الله لك على نصحك لي وكم هو عاتب عليك وعلى غيرك لماذا لم ترشدوني من قبل .