الصفحة 21 من 100

هذا سلوك العلماء مع الملوك والخلفاء، أما في شعر الغزل فمن أشهر ما قال، ومن أرق ما أنشأ في شعر الغزل تلك الأبيات التى سجلتها كتب الحماسة وطبقات الشعراء وحفظها العشاق والأدباء: إن التى زعَمَتْ فؤادكَ ملَّها خُلقتْ هواكَ كما خُلقتَ هوى لها بيضاءُ باكرَها النعيمُ فصاغَها بلباقةٍ فأدقَّها وأجلَّها حَجَبتْ تحيتها فقلتُ لصاحبى ما كان أكثرَهَا لنا وأقلَّها وإذا وجدتُ لا وساوسَ سلوةٍ شفعَ الضميرُ إلى الفؤاد فَسَلَّها ومن طريف ما أنشأ شاعرنا الفقيه في مجال الغزل أيضا، ذلك الحوار الذى أجراه على لسان محبوبته ممثلا في هذين البيتين: قالتْ، وأبثثتُها وجدى، فبُحتُ به: قد كنتَ عندى تحبُّ السَّتْرَ فاسْتَتِرِ ألستَ تبصرُ مَنْ حولى؟ فقلت لها: غطَّى هواكِ وما ألقى على بصرى هذا الضرب من الحوار يذكرنا بمثيله عند عمر بن أبى ربيعة، ولكن شتان الفرق بين عفة عروة وجرأة عمر. وكان الشعراء من أهل مكة والمدينة يحتفلون بالموسم ويصفون الخفرات الجميلات في مناسك الحج، وقد رسم عروة بن أذينة على نفس المنوال، ولكن في نطاق رقة اللفظ وعفة الكلمة، وبراعة الصوغ، وأناقة التعبير: لَبِثُوا ثلاثَ مِنًى بمنزلِ غبطةٍ وهُمُ على غرضٍ لعمرُك ما هُمُ متجاورين بغير دارِ إقامةٍ لو قد أجدَّ رحيلُهم لم يندموا ولهن بالبيتِ العتيقِ لُبانةٌ والبيتُ يعرفهنَّ لو يتكلمُ لو كان حيا قبلهن ظعائنًا حيا الحَطيمُ وجُوهَهُنَ وزمزمُ وكأنهن وقد حَسَرنَ لواغبا بيضٌ بأكنافِ الحطيمِ مُركَّمُ ص _026

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت