فهرس الكتاب
إن سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الأم كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ، إن الجنين يحسب دنياه هذا البطن، ولو عقل وفكر، وسئل وأجاب، لقال بأن خروجه منه موت محقق، ولو كان في البطن توءمان فولد أحدهما قبل الآخر، ورآه نزل قبله ففارقه وقد كان معه، لقال بأنه مات ودفن في الأعماق، ولو رأى المشيمة التي كانت من جسده ملقاة مع القمامة لظن بأنها هي أخوه وبكى عليها، كما تبكي الأم حين ترى جسد ولدها التي كانت تخشى عليه مس الغبار؛ قد أودع التراب، لا تدري أن هذا الجسد كالمشيمة، قميص توسخ وألقي، ثوب انتهى وقته، وانقضت الحاجة إليه.
هذا هو الموت، إنه ولادة جديدة، خروج إلى مرحلة أطول وأرحب من مراحل الحياة، وما هذه الدنيا إلا طريق، حياتنا فيها كحياة المهاجر إلى أميركا؛ إنه يحسن اختيار غرفته في الباخرة، ويحرص على راحته فيها ويهتم بها، ولكن هل ينفق ماله كله على تجديد فرشها ونقش جدرانها حتى لا يبقى معه شيء؛ فيصل إلى أميركا مفلسًا خالي الوفاض، أم يقول: إن مدة بقائي في هذه الغرفة أسبوعٌ، فأنا أرضى فيه بما تيسر، وأُمشِّي فيه الحال وأدخر المال لإعداد الدار التي سأسكنها في أميركا؛ لأن فيه المقام!
أتعرفون ما مثال الدنيا والآخرة؟! أعلنت أميركا مرة عن تجربة ذرية تجريها في جزيرة صغيرة من جزر البحر الهادي، وكان ذلك من خمس عشرة سنة أو نحوها، وكان في الجزيرة بضع مئات من السكان من صيادي الأسماك، فطلبت إليهم إخلاء مساكنهم، على أن تعوضهم عنها وعما فيها ببيوت مفروشة في أي بلد يريدون من البلدان، على أن يعلنوا استعدادهم لإخلائها وإحصائهم لما فيها قبل موعد كذا، وحددت لهم موعدًا، ثم تأتي الطيارات فتحملهم من الجزيرة.