فهرس الكتاب
فمنهم من أعلن الاستعداد للإخلاء، وقدم الإحصاء قبل الموعد، ومنهم من أهمل وأجل حتى قرب الموعد، ومنهم من قال: هذا كله كذب، ما في الوجود من مكان اسمه أميركا، وما الدنيا إلا هذه الجزيرة، ولسنا نتركها، ولا نرضى أن نفارقها. ونسي أن الجزيرة ستنسف كلها فتكون أثرًا بعد أن كانت عينًا، هذا مثل الدنيا.
والأول: مثل المؤمن الذي يفكر في آخرته، ويستعد بالتوبة والطاعة دائمًا للقاء ربه.
والثاني: مثل المؤمن المقصر العاصي.
والثالث: مثل المادي الكافر الذي يقول: إنما هي حياتنا الدنيا لا حياة بعدها، وإن الموت نوم طويل، وراحة دائمة، محقق.
وليس معنى هذا أن الإسلام يطلب من المسلم أن يزهد في الدنيا مرة واحدة، وينفض أصابعه منها، ولا أن يسكن المساجد فلا يخرج منها، ولا أن يأوي إلى مغارة يمضي حياته فيها؛ لا.. بل إن الإسلام يطلب من المسلمين أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين، وفي المال أغنى الأغنياء، وفي العلم - العلم كله - أعلم العلماء، وأن يعرف كل مسلم حق جسده عليه بالغذاء والرياضة، وحق نفسه بالتسلية والاستجمام والمتعة بغير الحرام، وحق أهله بالرعاية وحسن الصحبة، وحق ولده بالتربية والتوجيه والعطف، وحق المجتمع بالعمل على كل ما يصلحه، كما يعرف حق الله بالتوحيد وبالطاعة.
يجمع المال ولكن من الحلال، ويستمتع بالطيبات المباحة، ويكون في الدنيا على أحسن ما يكون عليه أهلها؛ بشرط أن يبقى صحيح التوحيد، لا يداخل إيمانه شرك ظاهر أو خفي، صحيح الإسلام، يدع المحرمات ويأتي الفرائض، وأن يكون المال في يده لا في قلبه، لا يكون اعتماده عليه، بل يكون اعتماده على ربه، وأن يكون رضا الله هو مقصده، ومبتغاه، والله الموفق.