فهرس الكتاب
الوصية على الدين ترغيبًا للموصى أن يوصي بها، فهي فضل من الله تعالى له ليزدادَ إحسانًا وبرًّا قبل وفاته، فيحظى بنعيم الله تعالى وثوابه الجزيل في آخرته.
6 -حكم الإشهاد مع الكتابة:
اكتفى بعض الفقهاء بالكتابة ولم يَشترطوا الإشهاد عليها، وإن كان الإشهاد مع الكتابة أولى، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «إلا وصيته مكتوبة عنده» [1] . فقد نصَّ على الكتابة دون الإشهاد، وقالوا: إن كل وصية قابلة للتغيير من زيادة أو نقص حسب حال الموصي قبل وفاته، كما أن اللوازم والحقوق متجددة، فيصعب ويتعسر إحضار الشهود كلما أراد الموصي أن يغير في الوصية، فاكتفي بالكتابة رفعًا للحرج، وإن تيسر الإشهاد فهو أولى.
وقال جمهور الفقهاء: المراد من الحديث الشريف أن تكون الوصية مكتوبة عند الموصي بشرطها المعروف، وهو الإشهاد؛ لقوله تعالى في سورة المائدة:
{شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106]
وقالوا: إن الخط قابل للتزوير والتحريف والتبديل، فلا بد من الشهود لإظهار الحق على ألسنتهم.
والتحقيق: أنه إذا لم يتيسر الشهود وعُرف الخط وحصلَ اليقين أو غلبة الظن بأنه خط الموصي، اكتفي بالكتابة دون الشهود، رفعًا للحرج، وتحقيقًا لمصلحة الفقير الموصى له.
وللخطوط اليوم خبراء اختصاصيون يُميِّزون بينَ الخطوط وينسبون كل خط إلى كاتبه على وجه الصحة والدقة. وهذا خاص بالوصية، على أن الأولى للموصي أن يدعم الكتابة بالشهود، فهو أقوم، وأثبت، وأبعد عن الشكوك والخصام.
7 -هل ينفذ إقرار الموصي المريض مرض الموت بشيء من ماله للوارث؟
أجاز ذلك الأوزاعي وبعض الفقهاء، ومنعه الإمام أحمد رحمهم الله جميعًا، وقال أحمد: إن الموصي حين يعلم أن لا وصية لوارث فإنه يجعل ما يريدُ أن يوصي به إقرارًا، فيقرُّ له بدين عليه كذبًا، فيمنعُ ذلك سدًا للذريعة.
وقال من أجاز ذلك: إن حال المريض مرض الموت تذكره بربِّه وآخرته، فيقول الحق ويعدل ولا يظلم، فإن أقرَّ لوارث أقرَّ صادقًا. وأقول: ليس هذا بلازم فقد يُوجد مَنْ لا يخافُ الله وهو على فراش الموت وإن كان نادرًا. ففي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي: «إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة
(1) رواه البخاري ومسلم.