فهرس الكتاب
كتابة الدين واجبة
حفظًا للحقوق، وصيانة للأموال
ما أكثرَ ما تضيعُ الحقوقُ في المحاكم، وما أكثر ما يُظلم الدائن لأسباب كثيرة، من أهمها في نظري: ثقة الدائن في المدين التي غالبًا ما تكون في غير محلها، واكتفاؤه منه بالوعد بالوفاء للدَّيْن من أجله دون أن يسجلَ ذلك في عقد موثوق يوقِّع عليه المدين وشاهدان عدلان، يسجل فيه مقدار الدَّيْن بوضوح، ويذكر الأجل المسمى الذي يجب عنده أداء الدَّين من المدين إلى الدائن.
وما ضاع حق، ولا انتشرت مظلمة، ولا ندم أحد إلا إثر إهمال الناس لأحكام الله تعالى في شريعته الغراء (الإسلام) والبعد عن منهجه:
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]
ففي أواخر سورة البقرة آية تُسمَّى آية المداينة، بيَّنت حكمَ الله تعالى في الدَّيْن مطلعها:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]
ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأمر بكتابة الدين يدلُّ على الاستحباب والأولى، لا على الوجوب، لقوله تعالى في آية الرهن:
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283]
وذهبَ قليلٌ منهم إلى أن كتابة الدين واجبة دون أن يستدلوا على رأيهم بما يكفي أو يقنع، والذي أراه أن حكم كتابة الدين هو الوجوب لا الاستحباب؛ لعدة أسباب:
1 -الآية هي أطول آية في كتاب الله تعالى، وطولها دليل الاهتمام بما فيها، وشدة الاهتمام تنصرف لأمر واجب لا مستحب.
2 -كثرة الأوامر فيها بالكتابة للدين:
{فاكتبوه .... وليكتبْ بينكم كاتب بالعدل ... فليكتبْ ... وليُمْلِل .. } مما يصرفُها إلى الوجوب، ولا قرينة قاطعة تصرفها عنه.
3 -استعمال «إذا» في أوائل الآية، وهي تفيد تحقيق ما بعدها مثل:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]
وقد تحقق ولم يقل إن تداينتم، و «إن» أضعف من «إذا» في هذا المجال. وفي قول الفقهاء بفرضية ردِّ السلام في قوله تعالى في سورة النساء:
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]
دليل على وجوب كتابة الدين في قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]
ولا فرق بين الآيتين من حيث الصيغة والمدلول.
فيجب أن يتفقا في وجوب وفرضية جواب إذا، وهو «فحيُّوا» و «فاكتبُوه» .
4 -النهي عن ترك الكتابة قلَّ الدينُ أو كثرُ:
{وَلا يَابَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}
{وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282]
والنهي يقتضي التحريم إلا بقرينة تصرفه عنه، ولا قرينة هنا.
5 -وصف الكتابة أنها أقسط وأعدل وأبعد عن الشك، وأدل على صدق الشهادة:
{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282]
وما حقق العدل وكان سببًا لحماية الحقوق فهو واجب.
6 -الأمر بالإشهاد، ونهي الشهود عن ترك الشهادة:
{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}
{وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282]
وضمان مصلحة الشاهد المادية والمعنوية فلا يغرم ولا يتهم إن صدق في شهادته:
{وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} [البقرة: 282]
7 -أمر المدين أن يُملي على الكاتب، لأنه إن أملى فهو مقر، والإقرار أقوى من الادعاء فيما لو أملى الدائن، وفي ذلك احتياط لضمان حق الدائن، وهذا الحرص على ضمان الحق يدعم الوجوب:
{وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282]
8 -لم يوجب الكتابة في التجارة الحاضرة التي يأخذُ منها المشتري البضاعة ويدفعُ للبائع ثمنها، وكلٌّ وصلَ إلى حقه، وقال في مثل ذلك:
{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282]