فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 51

والجناح هو الإثم، ورفع الإثم هنا يدلُّ بمفهوم المخالفة على وجود الإثم في الدين إن لم يكتب، ولا يأثم المرء إلا بترك واجب، أو فعل محظور.

والكتابة للديون واجبة، وترك الكتابة إثم ومحظور، كما رأيت في آيات النهي عن ترك الكتابة.

9 -على أنَّ الله تعالى آثر الإشهاد في البيع والشراء، ولو خلا من الكتابة ما دامت تجارة حاضرة وصل كل من البائع والمشتري فيها إلى حقه، ضمانًا للمستقبل وتجنبًا لخلاف متوقع، فكيف بالدين حيث لا عوض هنا ولا ضمان إلا بالكتابة والشهود؟

10 -ضمان حق أولاد الدّائن، فإذا مات المدين ولا دليل على الدين فمن يوصلهم إلى إرثهم من أبيهم إن كان دينًا لم يكتب ولم يوثق؟ لاسيما إذا لم يُوص المدين بدفعه، ولم يذكره في دفاتره، أو ذكره، والورثة للمدين لا يخافون الله، فهم يخفون كلَّ دليل لديهم وينكرون حق ورثة الدائن، وتضيع الحقوق من تفريط الدائن وإهماله لكتابة الدين وتوثيقه، يقول عليه الصلاة والسلام: «إنك أن تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» . والدائن المفرط يظلم ورثته ويتركهم عالة يحتاجون الناس، ولو احتاط وامتثل أمر الله، وكتب الدين، ووثقه على المدين، وتركَ دليلًا بيد ورثته لترَكهم أغنياءَ لهم يد عليا تعطي ولا تأخذ.

وأكثر ما ينصحُ به المحامون والقضاة كتابة الديون والحقوق، وتوثيق العقود، ويخبرونك أن أكثر الحقوق التي تضيع هي التي لم تُكتب ولم توثق بعقد تتوفر فيه شروطه، وإذا كانت الكتابة وجبت في عصر كانت تصعبُ فيه، فلا عذر لنا اليوم والكتابة ميسورة.

وألفتُ النظر هنا إلى وجوب كتابة عقد الزواج في المحاكم الشرعية الرسمية؛ لضمان حق الزوجين في المهر إن حصل طلاق و الإرث إن حصلت وفاة، وإذا اضطروا إلى كتابته خارج المحكمة لعذر قاهر، فليوثق على أوراق يوقع عليها الزوج والزوجة ووليها والشاهدان، ويكتب فيها كل شيء واضحًا، ويوضع عند كل من الزوجين صورة للعقد، أما الاكتفاء بإجراء العقد شفويًا دون كتابته، فهو جهل وتفريط وإضاعة لحقوق كل من الزوجين إن حصلَ خلاف أو خصام أو طلاق، وكان الزوجان أو أحدهما ممن لا يرعى عهدًا ولا إلاًّ ولا ذمة.

وعدم كتابة الزواج أو الدين يسمح للفاسدين والضالين والظالمين والمستغلين أن يظلموا ويرتعوا في مرتع وخم دون عقاب، أما ما احتجَّ به الذين ذهبوا إلى استحباب كتابة الدين لا إلى وجوبها من قوله تعالى:

{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283]

فذلك في آية الرهن لا في آية المداينة، وهذه ملحوظة مهمة.

أي: إن كنتم على سفر وتعسَّرَ وجود كاتب يكتب الدينَ، ولم يُوجد مع المدين عين يدفعها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت