فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

للدائن كرهن يستوثق بها دينه، فنحن أمام ضرورة ملحة، مدين محتاج في سفر لا يملك رهنًا يضعُه عند الدائن، فلا حرجَ أن يحصلَ دينٌ بلا كتابة، أما إن تيسرت الكتابة كما في الحضر أو في سفر مريح أو رهن يقبض، فلا بد من الكتابة أو الرهن الذي يعادل الكتابة في طمأنينة الدائن أن حقَّه مصون لن يضيع، وقوله تعالى:

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]

أي: إن تيسر الرهن، ويأمر بقبض الرهن قبل تسليم الدين منعًا للخصومة.

وقوله تعالى في الصوم:

{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]

كلتا الآيتين فيها شرط: (إن) و (من) ، وجوابه مقترن بالفاء، والتقدير فالواجب رهان مقبوضة، والواجب صيام عدة من أيام أخر، فالصيغة فيهما والمدلول واحد، فيجب أن يتفقا في وجوب الجواب إلا إن تعذر، فلم يوجد رهن ولم تتيسر كتابة، فيصار إلى الرخصة:

{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: 283]

والصائم إن لم يتيسر له القضاء لامتداد مرضه أو تحوّله إلى مرض مزمن أو موته قبل القضاء، فيصار إلى الفدية، وهي إطعام مسكين عن كلِّ يوم أفطره لعذر مشروع من مرض أو سفر أو ...

ولذا فقد ذكرَ تعالى في آية الرهن:

{وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]

وذكر في آية المداينة قبلها:

{وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282]

ولكل آية منهما غرض معين بحيث لا تغني إحداهما عن الأخرى، ففي آية المداينة الشاهد معروف لدى الدائن والشاهدين والقاضي، وعليه أن يبادرَ عند الضرورة للإدلاء بشهادته، فإذا امتنع فسيدعى ليحضر، ولو قسرًا، ليشهدَ ويصلَ الحقُّ إلى أصحابه.

أما في آية الرهن فالشاهد غير معروف، فقد يكتم شهادته إن كان لا يخاف الله أو تبرَّم من النُّزول إلى المحكمة، وصورتها: أنّ المدين الذي استدان عند عدم توفر الكاتب والرهن ووثقَ به الدائنُ وأمنَه، قد يقرّ أمام أي شخص قريب أو غريب بأنه استدانَ من فلان مالًا دون كتابة أو شهود للضرورة، فكل من سمع منه ذلك صارَ شاهدًا، لأن الإقرار من البالغ العاقل حجة قوية، فإذا أنكر المدين الدين فعلى هذا الشاهد السامع لإقرار المدين أن يُبادر إلى القاضي ويشهد بالحق لئلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت