فهرس الكتاب
الأليمَ، ينتظرُ من يقوم بذلك ولو مرة واحدة، ولو قال ومَنْ يعملْ ذلك لكانَ التَّهديدُ متوجهًا لمن يتخذُ ذلك حرفة أو يُكرِّرُ ذلك، وهذا من بعض الفروق بين لفظي فعلَ وعَمِلَ.
فتأمَّلْ تفلح وتكنْ من المهتدين، ذلكَ لأنَّ أهم ما عَندَ الإنسان العاقل المتزن السوي عقيدته وروحه وعرضه. وهي أولى ما يجبُ الحفاظ عليه:
أصونُ عِرْضي بمالي لا أُدَنِّسُهُ ... لا باركَ الله بعد العَرض بالمال
ولله در من قال:
اعلم بأنَّ مِنَ الرِّجالِ بهيمةً ... في صُورة الرَّجُل السَّميع المُبصِر
فطنٌ بكلِّ مصيبةٍ في مالِه ... وإذا أصيبَ بعِرْضهِ لم يَشْعُر
ولا يقعُ من المؤمن قتل لمؤمن إلا خطأ، ويجب عليه في ذلك دية لأهل القتيل، وكفارة لله أن يصوم شهرين متتابعين، قال تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92]
وهو لا يقتله عمدًا، فإن فعلَ فمصيرُه إلى الجحيم والعذاب الأليم:
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]
وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يستأذنه أحد ولاته في تعذيب مُتَّهم، ليعترفَ، فيجيبه عمر «لا تفعلْ، فوالله لأن يلقوا الله بآثامهم وخياناتهم أهون عليَّ من أن ألقى اللهَ بدمائهم وظلمهم» . وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» [1] . فاحذر القصاصَ إلا في حق وبعد يقين، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وستقرأ كتابًا تلقاه منشورًا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وبعد؛ فماذا يبقى للمسلمين إذا هانت فيهم الأرواح، واستبيحت الدماء، واستعرت بينهم الحروب والفتن، واشتدت الخلافات الهامشية التي لا مبرر لها ولا دليل، وعدوُّهم شامت ساخرٌ يتربَّصُ بهم الدوائر، يعتدي عليهم ويقتل منهم، ويحتلُّ أرضَهم، فلا يهبُّون لنجدة بعضهم، أين هم من قوله - صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في توادّهم وتَراحُمِهم كَمَثلِ الجسدِ الواحِدِ إذا اشتكَى منه عضوٌ تَداعَى له سائرُ الجسدِ بالحمَّى والسَّهرِ» [2] .
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه البخاري ومسلم.