فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 51

وأما التفريط فيها فطريق إلى الجبن والخساسة، وانعدام الغيرة على الدين والعرض، وضعف الحميَّة، ولله در من قال:

ليس الشجاعُ الذي يَحمِي فريستَه ... عند القتال ونار الحرب تشتعلُ

لكنّ مَنْ كفَّ طَرْفًا أو ثنى قدمًا ... عن الحرام فذاكَ الفارسُ البطلُ

وإذا اعتدلت قوة الشهوة أنتجت عفة وحياء وورعًا وسماحة وصبرًا، وقناعة بالحلال، وبعدًا عن كل معصية وحرام. أما الإفراط فيها فطريق إلى الفسق والمجون والشره، والحرص والطمع، والحسد والجريمة بعد حقد وحسد. والإسراف في المباح والتبذير في تبديد المال في وجوه الحرام. وأما التفريط فيها فيؤدي إلى المذلة والمهانة والعزلة واليأس والجمود.

فالعدل والاعتدال في كل شيء قوة، إذ هو الفيصل والضابط لإيجاد التوازن والسلامة والسعادة والرعاية والتوفيق.

سئل أعرابي: كيف تعيش؟ قال: أعيشُ حسنة بين سيئتين، أي: أعيش حياة الوسط والتوسط فلا بخل ولا إسراف، وتلا قوله تعالى في مدح عباد الرحمن:

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]

وفي الحديث الشريف: «ما عالَ مَنِ اقتصدَ» (1) أي: ما افتقر من توسَّط في النفقة.

والجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، ومصالح الدِّين والدنيا، عدل واعتدال ودليل قوة العقل.

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} [القصص: 77]

ولا تعارض ولا تضاد ولا عداوة بين الدين والدنيا، فالدنيا موضوع من موضوعات الدين، نظمَها وبيَّن حلالها وحرامها، ودعا إلى التعايش فيها في حدود الحق، وحذر من الافتتان بزينتها، مما تشغل عن الله والحق والواجبات.

والدنيا مزرعة الآخرة، فمن أحسن الزرع والجهد في الدنيا طاب له الغراس والحصاد والقطاف في الآخرة:

لا دارَ للمرء بعد الموت يسكنُها ... إلا التي كان قبلَ الموت يَبْنِيهَا

فإن بَنَاها بخيرٍ طابَ مسكنُه ... وإِن بَنَاهَا بشرٍّ خابَ بَانِيْهَا

والواقع أن أكثر علل المسلمين وبلائهم صادر عن تركهم الوسطية والاعتدال في شتى شؤون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت