استخدمت استراتيجية النفاذية للنّص لتحليل مضمون الآيات الكريمة، فقد يبدأ الباحث في المرحلة الأولى (تشرّب النّص) بتقسيم الآيات الكريمة إلى وحدات معرفيّة من نوع الكوكب، القمر، الشّمس، فاطر السّماوات والأرض ثم يمضي في تكوين صورة عقليّة (Concept image) عن التّدرّج الماثل في الآيات القرآنية السّابقة، وفي المرحلة الثّانية (التشّبع بالنّص) يكوّن الباحث صورة عن التّدرّج من الكوكب الصّغير، ثم إلى القمر الأكبر من الكوكب، ثم إلى الشمس الأكبر من القمر، ثم إلى الخالق الكبير، ثم يوظّف الباحث قراءاته وإطلاعه على القرآن الكريم، ليجد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام، كان يسوق الأمثلة لقومه، للتوضيح لهم بأنّ ما يعبدونه من أصنام لا يجدي نفعًا، بل إن طريقته فيها إعمال للعقل، وحث على استخدام العقل، فالكوكب يغيب، والقمر الأكبر منه يغيب، والشّمس الأكبر من الكوكبين السّابقين تغيب، فلماذا تعبدون أشياء تغيب!! مما يُحِدثُ لدى المخاطب تنافرًا معرفيّا، فيقوم بالبحث عن بديل آخر، غير أنّ سلسلة البدائل التي لجأ إليها سيدنا إبراهيم عليه السّلام، بدأت بالصّغير نحو الكبير، ليقود المخاطب إلى البحث عن الأكبر من كل هذه البدائل جميعها وهو رب العالمين، جلّ في علاه.
... هذه الآلية يطلق عليها العلماء نظريّة التّنافر المعرفي (Cognitive Dissonance ) المنسوبة إلى (Festinger, 1957) ، ويرون أنّه يمكن تطبيقها في جميع أوضاع وحالات تكوين الاتجاهات، أو المعتقدات أو التّعديل عليها، وهي تقوم على إحداث تنافر معرفيّ بين وضع قائم ووضع منشود، مما يجعل المفحوص يُعمٍِلُ عقله للتّخلي عن الموقف القائم نحو الموقف المنشود إذ يبدو أنّه أكثر إقناعًا له.