بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فهذه هي المجموعة الأولى من (مقالات لكبار كُتَّاب العربية في العصر الحديث) .
وقبل الكلام على هذه المقالات يحسن الكلام على المقالة من حيث نشأتها، ومفهومها، وموضوعها، وأنواعها، إلى غير ذلك مما يدور في هذا الفلك.
فالمقالة _ أو المقال _ باب عظيم من أبواب العلم، وطريق واسع لنشر الفكر والتأثير في الناس.
ولقد عُرفت بعد ظهور المطابع، وانتشار الصحافة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وذلك حين أنشئت صحيفة الوقائع المصرية، ثم بلغت الصحافة أوجها في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، حيث ازدهرت حركتها في البلاد العربية، وصارت عِمَادَ الكُتَّاب، والأدباءِ، والقالبَ الذي يصبُّون فيه أفكارهم، وينشرونها بين الناس.
وليست المقالة غريبة عن الأدب العربي القديم _ وإن تغيَّرت صيغها، وشروطها_.
فعبدالحميد الكاتب حين كان يتكلم عن الصيد، أو الكتابة كان يكتب شيئًا قريبًا من المقالة، والفصول الأدبية التي أنشأها ابن المقفع في الأدب الصغير والأدب الكبير كانت أشبه بالمقالات المطوَّلة.
وكذلك صنيع الجاحظ في البخلاء، والبيان والتبيين، والمحاسن والأضداد؛ فهي مقالات مطوَّلة تنقصها بعض شروط المقالة الحديثة.
أما في العصر الحديث فقد أخذت المقالة لونًا آخر؛ فصار لها طابع مميَّز؛ فهي قطعة نثريَّة يعرض فيها الكاتب قضيةً أو فكرة بطريقة مُنَظَّمة مشوِّقة.
والمقالة محدودة الحجم، لا يتوسَّع فيها الكاتب كثيرًا.
أما موضوعاتها فكثيرة متنوِّعة؛ فهناك المقالة الدينيَّة، التي يتناول كاتبها بابًا من أبواب الدين سواء كان في الاعتقاد، أو الأحكام، أو السلوك، أو الأخلاق، أو السيرة، أو يكتب عن قضيَّة من قضايا الإسلام والمسلمين، أو نحو ذلك.