فهرس الكتاب
فقيام النساء، وانصرافهن عقب تسليمه"لأنه مأذون لهن في الصلاة دون البقاء في المسجد لغير صلاة، وقد أشارت رواية الحديث إلى أن مكث النبي"في مقامه عقب الصلاة من أجل تمكين النساء من الانصراف؛ لأن الرجال لا يقومون من موضع الصلاة إلا إذا قام _ عليه الصلاة والسلام _.
وفي هذا شاهد على كراهة الشارع لاختلاط الرجال الأجانب بالنساء.
ثم إن سنة النساء في صلاة الجماعة أن يصلين خلف صفوف الرجال، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ÷أنه قال: =صلى النبي"في بيت أم سليم، فقمت، ويتيم خلفه، وأم سليم خلفه +."
ويدلكم على أن النهي عن اختلاط الرجال بالنساء كان معروفًا بين الصحابة _ رضي الله عنهم _ حتى أصبحت قاعدة يذكرونها عندما يشتبه عليهم الأمر في بعض الآثار أو الأحاديث، ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: =أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي"مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال لم يكن يخالطهن: كانت عائشة _ رضي الله عنها _ تطوف في حجرة من الرجال لا تخالطهم+."
والحجرة الناحية المنفردة، تقول رأيت رجلًا يسير من القوم حجرة أي ناحية منفردة.
فانظر كيف بدا لابن هشام أن يمنع النساء الطواف مع الرجال؛ أخذًا بالقاعدة المعروفة في الشريعة من منع اختلاط النساء بالرجال.
ولما أنكر عليه عطاء لم يقل له: إن اختلاط النساء بالرجال لا حرج فيه، ولكنه استدل بحديث أن نساء النبي"كن يطفن مع الرجال، ولما بدا لابن جريج أن طوافهن مع الرجال يقتضي الاختلاط بهم، والاختلاط محظور في الشريعة، قال متشكلًا الإذن لهن في الطواف مع الرجال: كيف يخالطهن الرجال؟ فلم يقل له ابن جريج: وأي مانع من هذا الاختلاط، بل بيّن له أنهن يطفن مع الرجال دون أن يخالطنهم."