فهرس الكتاب
وما أجمل وأبدع أن تظهرَ الحياة في العالم كله _ ولو يومًا واحدًا _ حاملة في يدها السُّبحة! فكيف بها على ذلك شهرًا من كل سنة؟
إنها والله طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس، وتطهير الاجتماع من خسائس العقل المادي، ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها بالقوانين، والمحررة من القوانين في باطنها _ إلى قانون من باطنها نفسه يُطهِّر مشاعرها، ويسمو بإحساسها، ويصْرِفُها إلى معاني إنسانيتها، ويهذب من زياداتها، ويحذف كثيرًا من فضولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، فيجعلها صافيةً مشرقةً بما يجتذب إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق؛ إذ كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعوَ إليها ما يلائمها ويتصل بطبيعتها من الفِكَرِ الأخرى.
والنفس في هذا الشهر مُحْتََسَبَة في فكرة الخير وحدها؛ فهي تبني بناءها من ذلك ما استطاعت.
هذا على الحقيقة ليس شهرًا من الأشهر، بل هو فصل نفساني كفصول الطبيعة في دورانها، ولهو _ والله _ أَشْبَه بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من طبيعته السحب والغيث، ومن عمله إمداد الحياة بوسائلَ لها ما بعدها إلى آخر السنة، ومن رياضته أنْ يُكْسِبَهَا الصلابة والانكماش والخفَّة، ومن غايته إعداد الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه.
وعجيب جدًا أن هذا الشهر الذي يدَّخر فيه الجسم من قواه المعنوية؛ فيودعها مصرف روحانيته؛ ليجد منها عند الشدائد مدد الصبر والثبات والعزم والجلد والخشونة.
عجيب جدًا أن هذا الشهر الاقتصادي هو من أيام السنة كفائدة 8,5 في المائة، فكأنه يسجل في أعصاب حساب قوته وربحه، فله في كل سنة زيادة 8,5 من قوته المعنوية الروحانية.