فهرس الكتاب
وما كان هذا الذي نصف خاصًَّا بالعمل في الكتب وحدها، وإنما هي ذلة ضربت على المسلمين في شأنهم كله، عن خطط تبشيرية ثم استعمارية، رسمت ونفِّذت، في كل بلد من بلدان الإسلام، وليس المقام مقام تفصيل ذلك، ولكنا نعود إلى ما نحن بسببه من تصحيح الكتب.
لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون، وكتبوا فيها فصولًا نفيسة، نذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد؛ لتصحيح الكتب المحفوظة، إذ لم تكن المطابع وُجدت، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب، ونحن وارثو مجدهم وعزِّهم، وإلينا انتهت علومهم؛ فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤوا به.
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
احترام الأفكار (1) للشيخ محمد الطاهر بن عاشور
يقول المبتدؤون والمتوسطون من الكتَّاب =بنات الأفكار+إذا أرادوا أن يملِّحوا العبارة، ويدلوا على منزلهم في علم الاستعارة، وهم لا يشعرون _ عند لفظ هاته الكلمة من أفواههم إلا بتلك الاستعارة المطروقة المبذولة _ حدوث ذلك الشيء الذي ذكروه عن ازدواج المقدمات وتمخض الفكر.
وربما كان البعض ذاهلًا أو عاجزًا عن هذا المقدار؛ فلا عجب أنهم ذهلوا عن شيء أكبر منه أفادته العبارة وما أراده قائلها: وهو تمام التشابه بين الأفكار وبين انتساب البُنُوة من جميع أطرافه، حتى تجد مُبْتَكَرَ فكرك منك بمنزلة ابنك أو بنتك، وكأنهم اختاروا الثاني؛ قصدًا للمبالغة في الحرمة والغيرة.
(1) مجلة السعادة العظمى عدد18 ص273_281، في 16 رمضان 1322، وسيلاحظ القارئ الكريم أن هذه المقالة متينة قوية، ولكنها صعبة متعاصية؛ لأنها من بواكير كتابات الشيخ ابن عاشور× حيث كتبها وهو في السادسة والعشرين من عمره، وسترى مقالة =مجلس رسول الله"+ وهي أي أيسر وأسلس من هذه المقالة بكثير."