الصفحة 236 من 989

وعلوم النحو والصرف والبيان معدودة في وسائل إحكام صنعة الشعر، ومتى دُرِسَتْ على طريقة التوسع في مسائل الخلاف، ومناقشة الآراء والأدلة والعبارات _ أصبحت في خدش ملكة الشعر كالمباحث الفلسفية أو الفقهية.

وقد يكون في الرجل قوةُ الشاعرية فيهجُرُها، فتضعف حتى لا تواتيه عندما يهم باستدرارها.

قال أبو القاسم الأندلسي: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر، فقال: إني أغبطكم على قول الشعر؛ فإن خاطري لا يوافقني على قوله على تحقيقي في العلوم التي هي موادّه، فقال له رجل: فما قلت قط شيئًا منه ؟ قال: ما أعلم أن لي شعرًا إلا ثلاثة أبيات في الشيب، وهي قولي:

خضبت الشيب لما كان عيبًا

... وخضب الشيب أولى أن يعابا

ولم أخضِب مخافة هجر خلٍّ

... ولا عيبًا خشيت ولا عتابا

ولكن المشيب بدا ذميمًا

... فصيرت الخضاب له عقابا

فهذه الأبيات تدل على أن في أبي علي الفارسي مبدأَ نظم الشعر، وعدمُ مواتاة الشعر له عندما يهم بنظمه ناشئٌ من عدم إقباله على هذه القوة بالتربية والتهذيب.

الارتياح للشعر:

ترتاح النفس لصور من المعاني يصنعها الخيال، أو تخرج في ثوب قشيب من حسن البيان، ذلك الارتياح لذة الشعر الذي هو صنع الألمعية المتلألئة، والتخيل الواسع، والذوق الصحيح.

ولا أظن أن في الناس من لا يلذ الشعر البديع متى أحسّ معانيه، ووقعت في ذهنه بادية الوجوه كما كانت في ذهن مصوّرها.

وإنما المشاهد أن الناس يتفاوتون في الارتياح للشعر على قدر تفاوتهم في صفاء الذوق، وتقدير ما في معانيه من غرابة وحسن التئام، أو تقدير ما في ألفاظه من حسن السبك وجودة التركيب.

فإذا رأيت الرجل يسمع الشعر البارع، ولا تلوح عليه أمارة الارتياح لسماعه، فلأنه لم يحس ما فيه من إبداع وجودة صنعة.

وكثيرًا ما يعيب الناقد صورة معنى خيالي حيث لا يحس الناحية التي فعل فيها الخيال البارع فعلته.

أورد بعض الكاتبين في الأدب قول الشاعر:

كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت