الصفحة 259 من 989

والذي يظهر لي أنه كان يلزم مكانًا معينًا للجلوس؛ لينتظره عنده أصحابه والقادمون إليه.

والظاهر أن هذا المكان المعين هو ما بين المنبر وحجرة عائشة _ رضي الله عنها _، وهو الملقب بالروضة، ويدل لذلك أربعة أدلة:

الدليل الأول: ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: =ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة+.

وللعلماء في معنى ذلك تأويلات أظهرها والذي مال إليه جمهورهم أنه كلام جرى على طريقة المجاز المرسل؛ فإن ذلك المكانَ لما كان موضع الإرشاد والعلم كان الجلوس فيه سببًا للتنعم برياض الجنة؛ فأطلق على ذلك المكان أنه روضة من رياض الجنة بإطلاق اسم المسبب على السبب.

أو جرى على طريق الاستعارة بأن شَبَّه ما يصدر في ذلك المكان من الإرشاد والتشريع والعلم والموعظة والحكمة المنعشة للأرواح بما في رياض الجنة من الثمار والأزهار والأنهار ذات الإنعاش الخالد، فأطلق اسم المشبه به على المشبه.

وفي هذا إنباء بأن موضع الروضة مجلس رسول الله الذي كان فيه معظم إرشاده وتعليمه الناس.

الدليل الثاني: أنا نجد أحاديث كثيرة روتها عائشة _رضي الله عنها_ تتضمن ما دار بين رسول الله وبين سائليه، ولم نجد مثل ذلك لبقية أمهات المؤمنين؛ فعلمنا أن ذلك انفردت به عائشة؛ من أجل قرب بيتها من مجلس الرسول، وقد كان بيتها بقرب الروضة.

الدليل الثالث: قوله": =خذوا شطر دينكم عن عائشة+."

وهو كلام جار مجرى البلاغة في غزارة علمها بالدين، ومن جملة أسباب ذلك اطلاعها على ما يجري في مجلس رسول الله، وبذلك امتازت على بقية الأزواج.

الدليل الرابع: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: =لقد رأيتني وإني لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله وحجرة عائشة؛ فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنونًا وما بي جنون، وما هو إلا الجوع+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت