يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لِيُسَرَّ مالًا وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء؛ وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضَحَكةً عميقةً بكل ماله وهو كثير، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن.
مع الأسف أُلاحظ أن كمية السرور في مصر والشرق قليلة، كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة.
وليست تنقصنا الوسائل، فجوُّنا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصائب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.
أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فَنٌّ، والسرور كسائر شئون الحياة فن؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظِي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.
أول درس يجب أن يتعلم في فن السرور =قوة الاحتمال+ فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حَرِجَ الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه.
وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالًا، لم يلق لها بالًا، ولم تُحَرِك منه نَفسًَا، ونام ملء جفونه رضِيَّ البال فارغ الصدر.