غير أنَّ الفصل بين هذين النوعين قد يكون صعبًا؛ فالمقالة تنسب إلى أظهر الموضوعين، أو إلى السبب في إنشائها، وهذا قد يخفى إذا لم يدلَّ اللفظ عليه.
ثم إنَّ هناك بعضَ الاختلاف بين مقالة الصَّحيفة ومقالة المجلَّة؛ فبينما تتَّسم مقالة الصحيفة باليسر والسهولة في لفظها وأسلوبها فإنَّ العمق، والجزالة، من سمات مقالة المجلَّة.
والمقالة الصَّحفيَّة زادٌ يوميٌّ قد ينتهي بانتهاء يومه غالبًا، بينما مقالة المجلَّة تحمل قابليَّة البقاء، بل هي أقرب إلى البحث، بل قد تكون بحثًا.
ومقالة الصحيفة طابِعُها القِصَر، ولا يُصَارُ فيها إلى الإطالة إلا نادرًا، وعكسها مقالة المجلَّة.
وهكذا عُرِفَت المقالة، وصار لها منهجها المميَّز، وطريقتها التي سار عليها الكُتَّاب إلى يومنا الحاضر (1) .
ولا ريب أنَّ الفترة الذَّهبيَّة للمقالة كانت _ كما مرَّ ذكره _ في النِّصف الأوَّل في القرن الرابع عشر إلى ما يقارب العقد السابع من ذلك القرن؛ حيث ازدهرت، وراج سوقها في كثير من البلاد العربيَّة خصوصًا في الشام ومصر، وظهر في ذلك الوقت كُتَّاب أفذاذ يضارعون الكُتَّاب الأوائل في أساليبهم الراقية، وتحريراتهم العالية.
وفي ذلك الوقت حرصت الصحفُ والمجلاَّت على استقطاب أكابر الكُتَّاب والعلماء؛ فصارت ميدانًا فسيحًا لنشر الأدب، والعلم، والنَّقد، والرُّدود، وما جرى مجرى ذلك.
ولقد يسَّر الله لي فرصة الاطلاع على كثير من تلك المقالات، سواء عبر أعداد تلك الصحف والمجلات، أو عبر الكتب التي جمعت تلك المقالات.
ومهما يك من انتشار تلك المقالات، وشهرة أصحابها في ذلك الوقت _ فإنه يبقى محدودًا إذا ما قِيس بانتشارها وسهولة تداولها في عصرنا هذا.
(1) انظر =في الأدب الحديث+ لعمر الدسوقي، 1/514_525، و=الأدب العربي وتاريخه _ العصر الحديث+، د.محمد بن سعد بن حسين، ص88_91، و=النقد الأدبي+ د.عبدالباسط بدر.