الصفحة 343 من 989

والأحوال التي يحتاج فيها إلى الصدق أكثر من الأحوال التي يحتاج فيها إلى الحلم, ونحن لا نشعر بالحاجه إلى شجاعة السيدات والأطفال, وكل منا يشعر بالحاجة إلى صدق الطفل الآخذ في التردد على المدرسة، وصدق الصانع في مصنعه والأمير على كرسيه.

فالكلمة التي نلقيها في هذه الليلة إنما نصف بها فضيلةً شأنها رفيع، وأثرها في الاجتماع كبير، وهي صدق اللهجة.

ولا تثريب علينا إذا تناولنا في أثناء بحث هذه الفضيلة نبذة من الحديث عن ضدها وهو الكذب؛ فإن حقائق الفضائل تتجلى بمعرفة أضدادها.

ما هو الصدق؟

الصدق في لغة العرب: إلقاء الكلام على وجه يطابق الواقع والاعتقاد.

ومقتضى هذا الشرح أن الكلام الذي يخالف الواقع والاعتقاد معًا أو يخالف أحدهما لا يدخل في حقيقة الصدق, بل يندرج تحت اسم الكذبِ، والكذبُ ذو ضروب وألوان.

للصدق صورة واحدة: وهى أن تصوغ القول على نحو ما تعتقد, ويكون اعتقادك مطابقًا للواقع, كأن تقول وأنت الناصح الغيور: سلطة العدو أَمرُّ من الصبر, وأشدُّ مضاضة من وقع الحسام.

وللكذب ثلاث صور: (إحداها) ما يخالف الواقع والاعتقاد: كمن يتملق فاسقًا أو باغيًا؛ فيصفه بالاستقامة, وهو على بينة من سيرته المغضوب عليها

(ثانيتها) ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع: كالزائغ المنافق ينطق على نحو مما ينطق به أولو الحكمة والهداية.

(ثالثها) ما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد: كالغبي يعتقد بعض صلاح الفجار, فيصفه بالولاية أو التقوى.

هذه صورة الكذب في مجاري كلام العرب, وقد رأيتموها ممثلة في المتملق, والمنافق, والغبي.

والذي يرجع عيبُه إلى الأخلاق العملية من هذه الصور ما جاء الحديث فيه مخالفًا للاعتقاد, وسواء بعد هذه أخالف الواقع _ أيضًا_ وهي الصورة الأولى أم كان مطابقًا للواقع وهي الصورة الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت