فهرس الكتاب
وانظر في قصة أبي سفيان حين استدعاه هرقل في ركب من قريش، وأخذ يسأله في شأن النبي"فإنكم تجدون أبا سفيان وهو زعيم قريش يومئذ يقول =فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عنى كذبًا لكذبت عليه+."
قال أبو سفيان هذا أيام جاهليته وهو سيد قومه.
أما صدق اللهجة القائم على الإيمان فلا يختل نظمه, ولا يختلف غيب صاحبه عن حال علا نيته؛ فمن تصدى جماعة، وعني بأن يجعلهم المثل الأعلى لفضيلة الصدق _ فليسعَ لأن يكون إيمانهم بالله راسخًا, والإيمان الراسخ مطلع كل فضيلة.
من أخلاقنا (1) للشيخ علي الطنطاوي (2)
أعرف رجلًا أنعم الله عليه بسعة المال، وفطره على صدق الود، وبسط اليد؛ فأباح إخوانه ماله، يغترقون منه اغتراقًا، ويأخذون منه علاًّ ونهلًا، قرضًا حسنًا لا يطالبون برده، وهدية لا يسألون المقابلة بمثلها، وهبة لا يُرتَقَبُ منهم عوضٌ عنها، ولا يسمعون كلمة منّ أو تذكير بها.
وفَتَحَ لهؤلاء الإخوان _ وما كان أكثرهم _ داره، وأفرد لهم جناحًا فيها لا يدخله أحد من حرمه وأهله، وأقام عليهم خادمًا وطاهيًا، وانقطع فيه لاستقبالهم قادمين بالبشاشة والترحيب، وإيناسهم مقيمين وخدمتهم، وتوديعهم راحلين مشيِّعًا إياهم بالكرامة، شاكرهم على تفضلهم بالزيارة، سائلهم التكرم بالعودة.
ولبث هذا الرجل على ذلك حتى أضاع ماله كله، فباع الدار وأثاثها، وغدا فقيرًا يحتاج إلى الورقة السورية، فلا يجد في كل أولئك الإخوان من يدفعها إليه، لا وفاء دين، ولا مقابل هدية، ولا عوضًا من هبة، ولا قرضًا حسنًا إلى أيام السعة، اللهم إلا قرضًا بربًا، ولا يرضى المرابون أن يقرضوا مفلسًا.
(1) نشرت عام 1947م، وانظر كتاب =في سبيل الإصلاح+ ص95_100.
(2) سبقت فب المجموعة الأولى ترجمة له.