الصفحة 355 من 989

وإن لم يكن صاحب ذمة أكل الدين كله، وصرخ فيك حيثما لقيك: ما لك عندي شيء. اشتك للمحاكم!، وهو يعلم أنه لا سند في يدك، ولا بينة لك عليه.

وهبك أخذت منه كتابًا بدينك، أفتصبر على طول المحاكمة، ومتابعتها، وتأجيلها، وتسويفها، ورسومها، ومصارفها؟ إن ضياع المال أهون من إقامة الدعوى به (1) .

ومثل هؤلاء المقترضين الأفاضل مستعيرو الكتب، أولئك الذين تركوا في قلبي غصصًا حلفت بعدها بموثقات الأيمان أني لا أعير أحدًا كتابًا، ولم أنج مع ذلك منهم، ولم يردّ لي إلى الآن كتاب =كشف الظنون+ الذي نسيت من استعاره مني منذ إحدى عشرة سنة...

ولهؤلاء المستعيرين نوادر شهدت منها العجب، منها أن أستاذًا محترمًا في قومه جاءني مرة يلتمس إعارته جزءًا من تفسير الخازن من خزانة كتبي؛ ليراجع فيه مسألة، ويرده إليَّ عاجلًا، ففعلت؛ وانتظرت أربع... أربع سنوات والله ثم ذكرته به؛ فغضب وقال: لإيش العجلة يا أستاذ؟ لم أراجع المسألة بعد...!

والذي يذكر منهم صاحب الكتاب، ويتنازل، فيرده إليه، يرده مخلوع الجلد ممزق الأوصال.

وأنكى منه المستعير المحقق المدقق الذي يرى في الكتاب موطنًا يحتاج إلى تعليق، فيكتب التعليقة التي يفتح الله بها عليه، على هامش كتابك بالحبر الصيني الذي لا يمحى ولا يكشط، ويذيّلها باسمه الكريم!!

وشر من هؤلاء جميعًا الثقيل الذي يتظرف، ويتخفف، فيرى أن من الظرف سرقةَ الكتب، فإذا زارك وتركته في المكتبة وخرجت؛ لتأتيه بالقهوة والشاي أخذ كتابًا فدسَّه تحت إبطه، أو وضعه في جيبه ثم ذهب به وأنت لا تدري (2) ..

(1) ولو سألتني دليلًا لنبأتك أنها كانت لأسرتنا قضية بقيت في المحاكم ثلاثًا وثمانين سنة.

(2) وآخر ما وقع لي هنا أنه كان عندي دفتر كبير مكتوب كله بخطي فيه ما سمعته من الدروس في علم النفس لما كنت في شعبة الفلسفة سنة 1929، فقدته من غرفتي في داري في مكة التي لا أدخلها إلا خاصة أصدقائي، وكان ذلك نحو سنة 1401 أو 1402.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت