الصفحة 619 من 989

كتبت سيدة فاضلة تقول: إنها في رخاء في عيشها؛ فلديها المال الكافي للإنفاق في سخاء, وزوجها موظف كبير تُدِرُّ عليه وظيفتُه المالَ الكافي, وأولادها في صحة ناجحون في مدارسهم, ومع ذلك فليست سعيدة؛ لأنها تشعر بضيق لا تدري سبَبَهُ متوقعةً في كل لحظة الشر، وإن لم يكن؛ فابنها إذا غاب قليلًا أوجست خيفة من غيابه، وزوجها إذا سافر توقعت الشر في سفره، وابنها إذا دخل الامتحان اضطربت خوفًا من سقوطه, وهكذا لم ينفعها مالها، ولا غنى زوجها، ولا صحة أولادها, ولا وسائل الترف، والرفاهية من الشقاء الذي هي فيه, وتسأل بعد ذلك عن وسائل الحياة الطيبة السعيدة.

يا سيدتي ! أكثر الناس يخطئ؛ فيفهم أن الغنى هو سبب السعادة, نعم إن الفقر سبب من أسباب الشقاء؛ فمن لم يجد ما يعوله ويعول أولاده فهو في شقاء؛ فالقدر الكافي من المال لسد الحاجات الضرورية وسيلة من وسائل الحياة السعيدة, ولكن الغنى ليس كل شيء في الحياة السعيدة, بل كثيرًا ما يكون عائقًا عن السعادة؛ لأسباب بسيطة واضحة كل الوضوح؛ فالمال لا نستطيع أن نشتري به الصحة، ولا الحب، ولا الطمأنينة.

ومن ركز غرضه في جمع المال لم يجد فرصة للترفيه عن نفسه في النواحي الأخرى, واللذائذُ التي تنال بالغنى سريعة الزوال، والنفسُ أسرعُ إلى الملل منها, والغِنَى المُفْرِطُ مشغلةٌ تجعل الغني خادمًا للمال وليس المالُ خادمَه, وأكثر الناس يخطئ في حقيقة بديهية، وهي أنْ ليست السعادة أن تكون عندك شيء، ولكن أن تعمل شيئًا؛ فالسعادة ليست في المِلْكية، ولكن في العمل.

إن مَثَلَ مَنْ يجمع المال؛ قصدًا للسعادة كمثل مَنْ يتسلح للعدو، فيلبس دروعًا ثقيلة، ويحمل أسلحة كثيرة؛ حتى يثقل ذلك عليه؛ فيمنعه من السير.

فغناك وغنى أسرتك ـ يا سيدتي ـ لا يخلق السعادة، ولكن يصلح أن يكون وسيلة من وسائلها.

تَسْأَلينني في آخر خطابك عن وسائل الحياة الطيبة، فأرى أنها تقوم على أسس أربعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت