الصفحة 77 من 989

الحافظ يحفظ ما يسمع؛ لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين الذكي والغبي والنابه والخامل؛ لأنَّ الحفظ ملكة مستقلة بنفسها عن بقية الملكات: وإنك لترى الشيخ الفاني الذي لا يميز بين الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى بكاء الطفل عليها، ويرتعد فرقًا حينما يسمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الجن والشياطين، ويسرد ذلك من تواريخ شبيبته وكهولته ما لو دوَّنته لكان تاريخًا صحيحًا ضخمًا مملوءًا بالغرائب والنوادر؛ وقيل لأحد العلماء: إن فلانًا حفظ متن البخاري، فقال: لقد زادت نسخة في البلد ! (1)

ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ لأن من فهم معلومًا من المعلومات حق الفهم أُشْرِبَتْه روحه، وخالط لحمه ودمه، ووصل من قلبه إلى سويدائه، وكان إحدى غرائزه، فلا يرى له بدًَّا من العمل به رضي أم أبى.

لولا أن العلم الديني قد أصبح اليوم علمًا محفوظًا لما وجدت في العلماء من يجمع بين اعتقاد الوحدانية وبين التردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم وفي مقابرهم يسألهم المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين يحفظون قوله _تعالى_ [قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ] الأعراف: 188.

مَنْ يُسْنِد النفع والضر إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه، ولا وجدت في الناس كثيرًا من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة الأنبياء والحكماء من مدح الفضائل وذم الرذائل، ثم لا تجد فرقًا بينهم وبين العامة في ارتكاب المنكرات والنفور من الصالحات.

(1) ليس الكلام هنا على إطلاقه؛ فشأن الحفظ عظيم، ولكنه لا يكفي وحده ما لم يقرن بعلم، وفقه وعمل. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت