فهرس الكتاب
وما اختاره الجريري هو مذهب البصريين وسيبويه والمبرد، والجرجاني، وغيرهم [1] . واحتجوا على ذلك بشواهد من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [المائدة 24] ، وقوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة 35] ، وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف 27] ، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة، واستدلوا لمذهبهم هذا بأن الضمير المرفوع المتصل في حكم الجزء من الفعل، بدليل أن الفعل يسكَّن آخره إذا اتصل به؛ ولذلك امتنع العطف عليه؛ لئلا يؤدي إلى العطف على جزء الكلمة، فإذا أكد قوى [2] .
وأما الكوفيون، والأنباري، وابن مالك [3] فيجوز عندهم العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام من غير تأكيد ولا طول، فتقول: (قمت وزيدٌ) . واعتمدوا على ذلك بوروده في كتاب الله تعالى، وفي الحديث الشريف، وفي كلام العرب، ومن ذلك قوله تعالى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى} [النجم 6 - 7] فعطف (هو) على الضمير المرفوع المستتر في (استوى) ، والمعنى: (فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى) [4] .
ومنه أيضًا قول عمر رضي الله عنه: (وكنت وجارٌ لي من الأنصار) [5] ، وقول على رضي الله عنه: (كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر) [6] . وحكى سيبويه عن العرب: (مررت برجل سواء والعدم) [7] بالرفع عطفًا على الضمير المستتر في (سواء) ؛ لأنه مؤول بمشتق، أي: (مستوٍ هو والعدم) ، وليس بينهما فصل. ومن وروده في الشعر قول جرير:
(1) انظر: الكتاب 2/ 379، والمقتضب 3/ 210، 279، والأصول 2/ 78 - 79 والمقتصد 2/ 957، والإنصاف 2/ 474 - 478، واللباب 1/ 431، والمتبع 2/ 440 - 441 وشرح ابن يعيش 3/ 76 - 77، وشرح ابن عصفور 1/ 242، وشرح الكافية الشافية 3/ 1244 - 1245، وشرح التسهيل 3/ 373 - 374، وشرح الرضى 2/ 333 - 334، والبسيط 1/ 345، والارتشاف 4/ 2013، وأوضح المسالك 3/ 390، والمساعد 2/ 469، والهمع 3/ 188 - 189، والأشموني 3/ 113.
(2) انظر: اللباب 1/ 431.
(3) انظر: معاني القرآن الفراء 3/ 95، ومجالس ثعلب 174، والإنصاف 2/ 474 - 478، وشرح الكافية الشافية 3/ 1244 - 1245، وشرح التسهيل 3/ 372، وشواهد التوضيح 112 - 114، وشرح ابن الناظم 212، وأما مذهب ابن مالك في الألفية فهو موافق لمذهب البصريين.
(4) انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 95.
(5) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، حديث (2468) .
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث (3677) .
(7) الكتاب 2/ 31.