فهرس الكتاب
إن الله خلق العالم كما أراد. ورتب عناصره كما أراد، ونسق مراتب الخلق كما أراد، وهو تعالى فعال لما يريد !! ومقتضى هذا الكلام أن البشر بين أصابع الإرادة والقدرة، مع العلم السابق، لا كيان لهم، ولا تماسك..!! نقول: هذا فهم صبيانى للإرادة الإلهية، وهو فهم سيطر على بعض العقول المريضة فأخرجها من النور إلى الظلمات . إنهم يظنون أن الله إذا أراد شيئا قال: كن... ثم بين هذين الحرفين، وفى لمح البصر يتحول الجدب خصبا، والفقر غنى، والعقيم ولودا، والمهزوم منصورا... وهذا- كما قلنا- فهم صبيانى . إن الإرادة الإلهية هى سنن الله التى بثها في الكائنات، وانتظمت بها أحوال الأرض والسموات . إذا أراد الله أن يخلق رجلا، فلا يقول للعدم كن رجلا، فينشق المجهول نطفة ثم جنينا، ثم وليدا، ثم صبيا، ثم غلاما.. إلخ . وإذا أراد الله أن يخلق فاكهة، أخذت هذه الإرادة مجراها المعتاد فوضعت البذور، واستجلبت المياه، وتتابعت الفصول، وتداولها الحر والبرد، وما تزال الأيدى الراعية تتعهدها بعد بدرها حتى تنضج . والإنسان كائن ميزه الله بخواص أدبية ومادية هى مناط تكليفه، ومبعث اتجاهه.. وحريته التى يستمتع بها دون ريب، هى إرادة الله له، ولو شاء جعله غير ذلك . إنه- جل شأنه- خلق الملائكة لا تحسن إلا اتجاها واحدا، مع ما وهب لها من إدراك . ص _025