فهرس الكتاب
فإن الله لا يؤاخذ الناس بما لم يكسبوا: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما) . وفى القرآن الكريم آيات يفيد ظاهرها الجبر، وأخرى يفيد ظاهرها الاختيار . ولا تناقض بين هذه وتلك، فلكل منهما مجال تعمل فيه . هذه تمثل جزءا من الحقيقة، وتلك تمثل الجزء الآخر (فى كتاب"عقيدة المسلم"نماذج لهذه الآيات، وتفسير يجمع بعضها وبعضها الآخر) . فأما آيات الاختيار، فهى تتعرض لما يكلف به الناس من أعمال، وما يلزمهم في هذه الحياة من تصرفات وتبعات . وقصة الخليقة، والرسالات، والثواب، والعقاب، والعدالة الإلهية تقوم على هذا الجانب المسلم به عقلا ونقلا . والطعن في هذه البديهية هو زعم بأن الحياة رواية هزلية، ومأساة سماوية . وأن الله يفعل ثم يعاقب الآخرين، أو يثيبهم .. ويأمر وينهى، وهو يعلم أنه لا موضع لأمره ولا مكان لنهيه . وهذا الكلام تخليط مجانين، أو اتهام جاحدين، تعالى الله عما يقولون . وأما آيات الجبر، فهى تتعرض للخطة العامة التى رسمها الله للحياة الإنسانية.. وهى خطة لا دخل لنا فيها، وإن تناولتنا من كل نواحينا . فالله وحده هو الذى حدد وقت ومكان مجيئنا هذه الدنيا، ووقت ومكان انسحابنا منها .. وهو كذلك الذى حدد القوى المادية والأدبية التى أتيحت، أو تتاح لنا في كفاحنا إبان هذا العمر الموقوت . ثم إن جانب الاختيار الممنوح لنا محوط بطبيعة هذه القوى كما وكيفا . ص _029
فإن الإنسان- وإن كان قادرا- فليس خالقا . وهو- وإن كان مدبرا- فليس إلها يفعل ما يريد . وكم من عزيمة صحت، ثم أعجزتها وسائل الظهور ؛ لأنها لا تملكها . والخلاصة أن الإنسان حر في نطاق مسئوليته، عبد في نطاق الكون الكبير المسخر لباريه . ص _030