فهرس الكتاب
بين الضرورات والمرفهات، ولا يطلب منهم بعد ذلك إلا أن يعرفوه وحده، ولذلك سأل: (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) . وبناء الإيمان الصحيح إنما يتم من عناصر تؤخذ من التفكير في الكون . وبقدر ما يستجمعه النظر الصائب من هذه العناصر يكون الإيمان جليلا أو قليلا . . وقد يحتبس بعض الناس في أماكنهم فلا يحسنون الفكرة ولا العبرة . وهؤلاء المسجونون المحجوبون يهيب القرآن بهم أن يرحلوا وينتقلوا لعل في ارتحالهم وانتقالهم ما يحرك عقولهم الجامدة، ويصلهم بالحقائق العظيمة . (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) . إن القرآن الكريم كتاب فذ في ربط الناس بالكون، ولفت أنظارهم إلى كوامنه وظواهره... لقد جعل حياتهم المادية مربوطة بحسن العمل فيه، وجعل حياتهم المعنوية مربوطة بحسن التفكير فيه.. فأى توجيه أفضل من هذا التوجيه في تعليق الناس بالحياة الصحيحة ؟ نعم، بُليت الأديان من قديم بمن أساء فهمها، وخاصم الحياة باسمها، وأوهى صلات الناس بها، وأراد أن يجعل منها سجنا كبيرا ومحنة ثقيلة . . وقد جبه القرآن الكريم هؤلاء أشد التجبيه، وأنكر عليهم أشد الإنكار (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) . ص _037
ذلك . . كما رفض الإسلام طبعا غباء هؤلاء الذين يحسبون الحياة نهبا لا صاحب له، وأنهم ولدوا فيها بطريق المصادفة كما تخلقت لهم بطريق المصادفة، ولذلك فهم يفعلون فيها ما يريدون، ويتصرفون كما يشتهون . كلا كلا.. إن الله وهب لنا هذا العمر، وأسكننا في هذا الكون لنعرفه لا لننكره، ولنشكره لا لنكفره . . والدين بهذا المنطق لا يعادى الحياة ولا يحجر على الأحياء . ص _038