فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 213

وفى عصرنا هذا شاعت عبادة الفرد للجماهير وعبادة الجماهير للفرد . . أما أن يبصر الإنسان وجه الله فيما يعمل ويترك، ويتحرى ذاته فيما ينفق ويمسك فلا مكان لذلك في نفسه . وهذا هو الرياء الذى يحبط الأعمال، ويكشف عن خراب القلوب من معنى الخير . قال الجنيد: لو أن عبدا أتى بافتقار آدم، وزهد عيسى، وجهد أيوب، وطاعة يحيى، واستقامة إدريس، وود الخليل، وخلق الحبيب، وكان في قلبه ذرة لغير الله، فليس لله فيه حاجة ... والحق أن لصوق الرياء بقلب واستبداده به مهلكة للإيمان، وممحقة للمثوبة... إن الغيث ينزل بالأرض الخصبة، فيكشف عن صلاحيتها للنماء والخير، وينزل بالصخر فيكشف عن جفاف طبيعته وقسوتها وإقفارها.. وكذلك ضرب الله المثل للمرائى: (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) . إن الحياة التى ينشئها الإيمان تتسم بالإخلاص العميق والتجرد التام لله رب العالمين … ولنتجاوز هذه النماذج المتناثرة في وصف الحياة التى ينشئها الإيمان ؛ لنقول: إن الإيمان عمل حاسم في تحويل الغرائز والعواطف الإنسانية من وجهة إلى وجهة . . الإنسان العارى من أى صبغة دينية، أو مذهبية يجوع ويشبع، ويفرح ويحزن، ويغضب ويحلم، ويتكبر ويتواضع، ويحنو ويقسو، وييأس ويرجو.. إلى آخر ما يعترى الطبيعة البشرية البحتة من عوارض لا تخلو عنها أبدا . والإيمان المعزول عن هذه العوارض لا يثيرها ولا يسكنها إيمان مغشوش… ص _082

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت