فهرس الكتاب
وقد تحدث علماء التربية قديما عن ضرورة خوف الإنسان من الله ورجائه فيه وإنابته إليه واعتماده عليه.. إلى غير ذلك من أحوال نفسية فاضلة . وهذا حسن، لكنه تصوير جزئى للحقيقة المنشودة، أو تصوير جانبى للحياة التى ينصب الإيمان سرادقها الرحب . والقصور في ذلك جاء نتيجة أفهام الناس، وما أحسبه مرادا لهؤلاء العلماء الكبار. إننا جميعا متفقون على أن الإيمان صبر وشكر، وخوف ورجاء. بيد أن بعضهم فهم أن هذه المشاعر يدخل بها الإيمان على النفس مع بقاء هذه النفس على طبيعتها العامة تخاف الله حينا وتخاف غيره حينا، وترجو الله حينا وترجو غيره حينا وهكذا . وليس ذلك هو المراد ولا هو تمام الإيمان وخلوصه من الشوائب . فالمؤمن في تعامله مع الله وتوحيده له وإدراكه لأسمائه الحسنى وصفاته المحيطة، يبنى سلوكه في الحياة على التفرغ الكامل لمولاه والارتباط المطلق به وحده والتجاهل لما عداه. وليس التوحيد أن نكفر بأصنام الحجارة ثم نجعل من المال صنما، أو الجاه صنما، أو المرأة صنما، أو الحاكم صنما، ثم نتوجه ببعض مشاعرنا أو كلها إلى هذه الأصنام الجديدة . فإذا أغلب النشاط الظاهر والباطن لها، وإذا أقله لله الصمد !! إننا بالملاحظة العابرة نحس أن كثيرا من الناس يبخسون الخالق من أحر عواطفهم، على حين يتجهون بهذه العواطف المشبوبة إلى غيره، فأى إيمان هذا؟؟ وهذا هو السر في أن بعضهم يزعم أنه يرجو الله مثلا، فإذا فتشت في سلوكه لم تجد لذلك الرجاء أثرا . ما بال دينك ترضى أن تدنسه وإن ثوبك مغسول من الدنس ! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجرى على اليبس ص _083