فهرس الكتاب
لقد انهارت حضارات دينية كثيرة ؛ لأن العنوان الذى عرفت به يغاير الحقيقة التى تحيا بها . ويوم يفلت زمام النفس الإنسانية من قيادة الإيمان الصاحى، ويقع في يد الهوى الطائش فهيهات أن يغنى عنوان، أو تجوز خدعة.. إن المعصية تولد قوية غالبا ؛ لأن وراءها انفعالات عنيفة، فهل يراد أن يولد الإيمان ضعيفا ؛ لأنه واهى الصلة بالمشاعر الجياشة في النفس الإنسانية ؟ إذا لم يكن الإيمان حياة عميقة الجذور في أغوار الإنسان فهو إيمان معلول يحتاج إلى الطبيب كى يصح ويستقيم . فالتوكل على الله مثلا يجب أن يكون في نفس المؤمن أرسخ من الاعتماد على السلطة في نفس الجائر المستعلى . وإيثار الآخرة يجب أن يكون أقوى في نفس المؤمن من اشتهاء العجلين للدنيا . وعلى ضوء هذا نفهم قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) . أما أن ترى الملحد أيقظ عقلا من المؤمن، وأرهف حسا، وأعلى همة، فهذا هو الإيمان المكذوب . إن المواهب الأدبية تتفتق بالإيمان كما تتفتق الأكمام عن أزهارها، وإن الإيمان ليخلق من الموت حياة حافلة بالقوة والنماء جديرة بالبقاء والاحترام … في عصرنا الحاضر يظن كثير من الناس أن الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه، أو علاقة ما بين البشر وقوى الغيب التى لا تدركها الحواس . وتتمثل هذه العلاقة غالبا في مراسم العبادة التى يقوم بها الفرد، ويصطبغ بها ضميره . ص _084