فهرس الكتاب
فالمهندس الذى يصنع آلة ما لا يعنيه كم تنتج من السلع والأدوات، وإنما يعنيه أن تكون أجهزتها مستعدة على الدوام لإنجاز ما تكلف به . . فصلاحية الطيارة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة.. هذه الصلاحيات هى مناط الحكم على قيمة الشىء . إذا اطمأننا إلى وجودها، قبلناها ورجونا ثمرتها . . كذلك الإنسان ! إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزته النفسية أولا، فإذا توافرت لها صلاحيتها المنشودة بصدق اليقين وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة، يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة لله . إن آلة"سك النقود"يدخلها المعدن الغفل، فيخرج منها عملة مالية غالية الثمن، تحمل من الألوان والأختام والشارات، ما يجعلها شيئا آخر، كذلك المسلم يعالج ما يعالج من شئون الدنيا، فيضفى عليه من طبيعة إيمانه، وسناء وجهته ما يجعل أى عمل يقبل عليه يتحول في يده إلى عبادة غالية القدر . . وبهذه الصلاحية النفسية رفض الله جل شأنه دعوى أصحاب الدعاوى الذين اغتروا: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . في شئون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهى عنده، ولا رسم تخرج فيه . إنما هو إسلام الوجه لله تعالى، وإصلاح العمل، والبلوغ به حد الكمال المطلوب . * * * ص _103