الصفحة 3 من 4

قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه ، فقاموا ، وبقيت وحدي معه ، فقلت له: حضرت المجلس اليوم متبركًا بك (1) ، وسمعتك تقول: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ وصدقت ، وطلَّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ وصدقتَ ، وقلت: وظاهرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ وهذا لم يكن ، ولا يصح أن يكون ؛ لأن الظهار منكرٌ من القول وزور ؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فضمَّني إلى نفسه ، وقبَّلَ رأسي ، وقال: أنا تائب من ذلك ، جزاك الله عني من معلِّمٍ خيرًا .

ثم انقلبتُ عنه ، وبكَّرتُ إلى مجلسه في اليوم الثاني ، فألفيته قد سبقني إلى الجامعِ ، وجلسَ على المنبر ، فلمَّا دخلتُ من باب الجامع ورآني ، نادى بأعلى صوته: مرحبًا بمعلِّمي ، أفسحوا لمعلِّمي ، فتطاولتِ الأعناق إِلَيَّ ، وحدَّقتِ الأبصار نحوي ، وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي ، ويتدافعونني حتى بلَغْتُ المنبر ، وأنا -لِعِظَمِ الحياء- لا أعرف في أيِّ بُقعةٍ أنا من الأرض! والجامع غاصُّ بأهله ، وأسال الحياءُ بدني عرَقًا ،

وأقبل الشيخ على الخلق ، فقال لهم: أنا معلِّمكم ، وهذا معَلِّمي ؛ لَمَّا كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وطلَّق ، وظاهرَ ؛ فما كان أحدٌ منكم فقه عني ، ولا ردَّ عليَّ ، فاتبعني إلى منْزلي ، وقال لي كذا وكذا -وأعاد ما جرى بيني وبينه- ، وأنا تائب عن قولي بالأمس ، وراجع عنه إلى الحق ، فمن سمعه ممن حضر فلا يُعَوِّل عليه ، ومن غاب فليُبْلِغْهُ من حضرَ ، فجزاه الله خيرًا ، وجعل يَحْفِلُ في الدعاء ، والخلق يؤمِّنون] .

ثم علق ابن العربي بقوله:

[فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين ، الاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ: مِن رجلٍ ظهرت رياسته ، واشْتَهرتْ نفاسته ؛ لغريبٍ مجهول العين لا يعرف من؟ ولا من أين؟ فاقتدوا به ترشدوا ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت