فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 14

«قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذِكْره، وقلَّة التفكُّر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرةً لمَن اعتبر، وفكرة لمن تفكَّر، وفي خبر يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينًا» .

ويُروى أنَّ أعرابيًّا كان يسير على جملٍ له، فَخَرَّ الجملُ ميتًا، فنزل الأعرابي عنه وجعل يطوف به ويتفكَّر فيه، ويقول: مالك لا تقوم؟ مالك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة؟! وما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه متعجبًا من أمره» [التذكرة للقرطبي] .

مصيبةٌ مَن فرَّ منها اقترب! ومَن اقترب اضطرب! فكم حريص على الحياة يموت بأتفه الأسباب! وطالبًا للموت مظانه يموت على فراشه «فلا نامت أعين الجبناء» كم من عاش بعيدًا عن وطنه سنوات عديدة ثم عاد ليموت في يوم وصوله! ومسافر ما نزعه من وطنه إلاَّ الموت! وآخر حرص على أمرٍ بذل في تحقيقه جهده، واستفرغ وسعه، حتى إذا ظفر به كان الموت في طياته!!

وزوج ما بنى بزوجته، وخريج ما استلم وثيقته، ومولود ما رأى والدته، ووالد وتر أهله وماله! كم وكم...!!

وآهٍ ما أقسى الموت، وما أعظم غربته..

يهونُ كلُّ اغترابٍ في الحياةِ فكمْ

ذي غربةٍ عادَ محفوفًا بإجلالِ

وغربةُ الموت أقسى ما نكابدهُ

كم فرقتْ بيننا من غير إمهالِ

من ذا الذي نالَه من دنياه غايته؟

من ذا الذي عاشَ فيها ناعمَ البالِ

يفنى الفتى وعلى عينيه أشرعةٌ

من الذهول تواري دمعهُ الغالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت