فهرس الكتاب
ولما وصل الترك المعسكر الذى يتجمع فيه هؤلاء الصليبيين وهجموا عليه، وحاولت جماعة منهم تبلغ ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أن تلوذ بالفرار بدافع اليأس، ولكن الترك هجموا عليهم ومزقوهم شرَّ ممزق . أما الضعفاء والمرضى فقد لاقوا أفضل معاملة إنسانية ، فقد واسوا المرضى ، وأغاثوا الفقير والجائع الذى أشرف على الهلاك ، وبذلوا لهم العطاء في كرم وسخاء ، حتى إن بعضهم اشترى النقود الفرنسية التى ابتزها الإغريق من الحجاج بالقوة أو بالخداع ، ووزعوها بسخاء بين المعوزين منهم ، فكان البون شاسعًا بين المعاملة الرحيمة التى لقيها الحجاج من الكفار (يعنى المسلمين) وبين ما عانوه من قسوة إخوانهم المسيحيين من الإغريق الذين فرضوا عليهم السخرة وضربوهم ولبتزوا منهم ما ترك لهم من متاع قليل .. حتى إن كثير منهم دخلوا في دين منقذيهم بمحض إرادتهم."
وفى ذلك يقول المؤرخ: "لقد جفوا إخوانهم في الدين الذين كانوا قساة عليهم، ووجدوا الأمان بين الكفار (المسلمين) الذين كانوا رحماء عليهم! ولقد بلغنا أن أكثر من ثلاثة آلاف قد انضموا بعد أن تقهقروا إلى صفوف الأتراك ، آه ، إنها لرحمة أقسى من الغدر .. لقد منحوهم الخبز ولكنهم سلبوهم عقيدتهم ، ولو أن من المؤكد أنهم لم يُكرِهوا أحدًا من بينهم على نبذ دينه، وإنما اكتفوا بما قدموا لهم من مساعدة .. ومن رحمة افتقدوها عند إخوانهم في العقيدة ..!!"
من الأمثلة الأخرى على صدق هذا الكلام ما يحكيه أحد المشاركين في هذه الحرب لحفيدته: لقد تعرضت الكتيبة الأسترالية النيوزيلاندية "أنزاك" في الحرب العالمية الأولى لمأساة رهيبة سقط بسببها ألوف القتلى والجرحى ، وكان الجنود المسلمين يجودون بأطعمتهم ودوائهم لعلاج المصابين في هذه المعركة .. حتى الأتراك الذين تصفهم الكتب والمراجع بالفظاظة والقسوة .. كانوا أكثر رحمة من البريطانيين الذين تخلوا عن الجنود الأستراليين والنيوزيلانديين في هذه المحنة.