فهرس الكتاب
ففى الواقع إن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين ، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات ، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم ، وعباداتهم ، وأحوالهم الشخصية.
ومن ثمَّ فهو يقيم نظمه الاجتماعية على أساس الاختلاط والمشاركة. ولا يرى حرجًا من أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب ، أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم.
روى الطبرانى عن كعب بن عجرة أنه اشتغل عند يهودى ، فسقى له إبله كل دلو بتمرة ، وأخبر النبى بذلك فما أنكر عليه شيئًا.
وروى أبو يعلى مثل ذلك عن على بن أبى طالب.
وقد استخدم النبى في هجرته قائدًا مشركًا.
ولما فتح المسلمون الأوائل أقطار الدنيا المعروفة يومئذ أبقوا الموظفين في أعمالهم الأولى ، فلم يكرهوا أحدًا منهم على الإسلام ، ولم يفصلوا رجلًا عن عمله بكفران.
وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين بعض النصارى أكثر من مرة ، منهم نصر بن هارون عام 369هـ ، وعيسى بن نسطورس عام 380هـ.
وقبل ذلك كان لمعاوية بن أبى سفيان كاتب نصرانى اسمه سرجون.
وقد قال المؤرخ الغربى آدم ميتز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجرى) : "من الأمور التى نعجب لها كثرة عدد العمال (الولاة وكبار الموظفين) والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية ، فكان النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام ، والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أمصار المسلمين شكوى قديمة.
وقد أسرف الحكام المسلمين في استخدام أبناء الديانات الأخرى واستغلوا سماحة الإسلام في معاملته لأهل الذمة استغلالًا جعل أحد الشعراء يقول - منددًا بعلو المنزلة التى وصل إليها اليهود:
يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا العز فيهم ، والمال عندهمو ومنهمو المستشار والملك , يا أهل مصر إنى قد نصحت لكم تهودوا قد تهود الفلك .