الصفحة 100 من 601

مسلم يمتاز بزوائد من صنعة الإسناد، وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح له صدرك، ويزداد به الكتاب ومصنفه في قلبك جلالة إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر ما قلته ففي هذه الأحرف التي ذكرها من الإسناد أنواع مما ذكرته، فمن ذلك أنه قال أولًا: حدثني أبو خيثمة، ثم قال في الطريق الاَخر: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، ففرق بين حدثني وحدثنا، وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة، وهي أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثني، وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا، وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرني، وفيما قرئ بحضرته في جماعة على الشيخ أخبرنا، وهذا اصطلاح معروف عندهم، وهو مستحب عندهم، ولو تركه وأبدل حرفا من ذلك بآخر صح السماع ولكن ترك الأولى والله أعلم. ومن ذلك أنه قال في الطريق الأول: حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر. ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية عن كهمس عن ابن بريدة عن يحيى، فقد يقال: هذا تطويل لا يليق بإتقان مسلم واختصاره، فكان ينبغي أن يقف بالطريق الأول على وكيع، ويجتمع معاذ ووكيع في الرواية عن كهمس عن ابن بريدة، وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر إلا من شديد الجهالة بهذا الفن، فإن مسلما رحمه الله يسلك الاختصار، لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود، وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل، ويفوت به مقصود، وذلك لأن وكيعا قال عن كهمس، ومعاذ قال حدثنا كهمس، وقد علم بما قدمناه في باب المعنعن أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا في المتصل بحدثنا، فأتى مسلم بالروايتين كما سمعتا، ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه، وليكون راويا باللفظ الذي سمعه، ولهذا نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها إن شاء الله تعالى. وإن كان مثل هذا ظاهرا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن، إلا أني عليه لغيرهم ولبعضهم ممن قد يغفل ولكلهم من جهة أخرى، وهو أنه يسقط عنهم النظر وتحرير عبارة عن المقصود، وهنا مقصود آخر، وهو أن في رواية وكيع قال: عن عبد الله بن بريدة، وفي رواية معاذ قال: عن ابن بريدة، فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل، فإنه إن قال: ابن بريدة لم ندر ما اسمه؟ وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة؟ وإن قال: عبد الله بن بريدة كان كاذبا على معاذ فإنه ليس في روايته عبد الله والله أعلم. وأما قوله في الرواية الأولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أولًا فائدة، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر، لأن الطريقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت