فهرس الكتاب
(فنكس فجعل ينكت بمخصرته) أما نكس فبتخفيف الكاف وتشديدها لغتان فصيحتان، يقال نكسه ينكسه فهو ناكس كقتله يقتله فهو قاتل، ونكسه ينكسه تنكيسًا فهو منكس أي خفض رأسه وطأطأ إلى الأرض على هيئة المهموم. وقوله: ينكت بفتح الياء وضم الكاف وآخره تاء مثناة فوق أي يخط بها خطًا يسيرًا مرة بعد مرة وهذا فعل المفكر المهموم، والمخصرة بكسر الميم ما أخذه الإنسان بيده واختصره من عصا لطيفة وعكاز لطيف وغيرهما، وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره، خيرها وشرها نفعها وضرها، وقد سبق في أول كتاب الإيمان قطعة صالحة من هذا قال الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فهو ملك لله تعالى يفعل ما يشاء ولا اعتراض على المالك في ملكه، ولأن الله تعالى لا علة لأفعاله. قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربتمن دونها الأستار، اختص الله به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وقيل إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها والله أعلم. وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره، ومن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعملهم كما قال {فسنيسره لليسرى و للعسرى} ، وكما صرحت به هذه الأحاديث.
الياقوتة 15
حدثني محمد بن بشار: حدثنا غندر: حدثنا شعبة، عن الحكم: سمعت ابن أبي ليلى قال: حدثنا علي:
أن فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: (على مكانكما) . فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: (ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما، تكبران أربعا وثلاثين، وتسبحان ثلاثا وثلاثين، وتحمدان ثلاثا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم) .
شرح الحديث ... فتح الباري ... ابن حجر العسقلاني رحمه الله-