الصفحة 19 من 48

السنة كمالك و أحمد و غيرهما ، يقولون أن قتاله للخوارج مأمور به ،و أما قتاله في الجمل و صفين فهو قتال فتنة )) ( ابن تيمية: المصدر السابق ج4 ص:204) ، فإذا التزم قوم الإسلام و أقاموا الصلاة ،و آتوا الزكاة ،و امتنعوا عن دفعها للإمام لم يجز له قتلهم عند أكثر العلماء ، كأبي حنيفة و أحمد ،و إنما قاتل أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- مانعي الزكاة لأنهم امتنعوا من دفعها مطلقا . و البغي لا يخرج صاحبه عن الإيمان ،و لا يوجب له النار ،و لا يمنعه الجنان (1) .

و جاء في صحيح البخاري أن النبي-عليه الصلاة و السلام- قال: (( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ،و القائم فيها خير من الماشي ،و الماشي فيها خير من الساعي ، من تشرّف لهل تستشرفه ، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ) ) ( صحيح البخاري ج8 ص: 92 ) .فالحديث صريح في الحث على اعتزال الفتنة و التحذير من الخوض فيها ، و أن القاعدين عنها أحسن من الخائضين فيها . و قد كان الصحابي أبو موسى الأشعري (ت44ه) -رضي الله عنه- يجمع الناس بمسجد الكوفة و شوارعها ،و يذكّرهم بهذا الحديث ،و يحثهم على القعود عن الفتنة (2) .

و روى أبو داود عن الرسول -ص- أنه قال عن الصحابي محمد بن مسلمة (ت43ه) -: (( لا تضرّه الفتنة ) ) (3) .و هو من نجباء الصحابة ، شهد بدرا و المشاهد الأخرى ( الذهبي: السير ج2 ص:266) ،و اعتزل الفتنة كلية ، لذلك مدحه الرسول -عليه الصلاة و السلام- و دلّ قوله فيه على أن القتال لم يكن واجبا و لا مستحبا ، إذ لو كان كذلك لم يكن ترك هذا الصحابي للقتال ، مما يمدح به ، بل كان فعل الواجب أو المستحب أفضل من تركه (4) .

(1) ابن تيمية: المصدر السابق ج4 ص: 204، 205 .

(2) الطبري: المصدر السابق ج 3 ص: 26، 28 ، 37، 38 .

(3) ابن تيمية: المصدر السابق ج1 ص: 144-145 .و الذهبي: سيّر أعلام النبلاء ج2 ص: 268 .

(4) ابن تيمية: نفسه ج1 ص: 145 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت