فهرس الكتاب
وقال مبينًا فضل التنقيح، والمراجعة، وإعادة النظر: =وقد كان هذا دأب جماعة من حُذَّاق الشعراء من المحدَثين والقدماء، منهم زهير، كان يعمل القصيدة في ستة أشهر ويهذِّبُها في ستة أشهر، ثم يُظْهِرها؛ فتُسَمَّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولي المنقَّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة في شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يُبرزها.
وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيُلقي أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحتري يُلقي من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبًا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأول خاطر فنعي عليه عيب كثير.
وتخيُّر الألفاظ، وإبدالُ بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته+. (1)
27_ التثبت في النقل، والتروي في إبداء الرأي
وهذا قريب مما مضى؛ فلا ينبغي للكاتب أن يكون حاطب ليل يكتب كل ما خطر بباله، ويتسرع في إبداء رأيه، وإصدار أحكامه.
بل يجب عليه أن يتثبَّت في نقله، ويحسن به أن يتأنى في إبداء آرائه، فالعاقل اللبيب لا يتكلم في شيء إلا إذا تثبَّت من صحته؛ فإذا ثبت لديه ذلك نَظَرَ في جدوى نشره؛ فإن كان في نشره حفز للخير،واجتماعٌ عليه نشره، وأظهره، وإن كان خلاف ذلك أعرض عنه، وطواه.
ولقد جاء النهي الصريح عن أن يُحَدِّث المرء بكل ما سمع، قال": =كفى بالمرء كذبًا أن يُحَدِّث بكل ما سمع+ (2) ."
وقد عقد الإمام مسلم × في مقدمة صحيحه بابًا سمَّاه =باب النهي عن الحديث بكل ما سمع+ وساق تحته جملة من الآثار منها الحديث السابق، ومنها ما رواه بسنده عن عمر بن الخطاب ÷ قال: =بحسب المرء من الكذب أن يُحَدِّث بكل ما سمع+ (3) .
(1) _ كتاب الصناعتين ص141.
(2) _ مسلم (5) في مقدمة صحيحه.
(3) _ مسلم (5) في مقدمة صحيحه.