فهرس الكتاب
قال بعض رؤساء الكتاب: =ليس أحد أولى بالأناة والروية من كاتب يعرض عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغي له أن يعمل النسخ، ويقبل عفو القريحة، ولا يستكرهها، ويعمل على أنَّ جميع الناس أعداءٌ له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه+. (1)
وقال آخر: =إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجدةً تُعجب؛ فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس _ فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه مساويًا لغمه بإساءته+. (2)
وقالوا: =الكتاب يُتصفح أكثر مما يُتصفح الخطاب؛ لأن الكاتب متخير، والمخاطب مضطر.
ومن يَرِدْ عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت.
وإنما ينظر أأخطأت أم أصبت؛ فإبطاؤك غير قادح بإصابتك، كما أن إسراعك غير مُغطٍّ على غلطتك+. (3)
وقيل لبشَّار بن برد: =بِمَ فُقْتَ أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟
فقال: لأني لم أقبل كل ما تورد على قريحتي، ويناجيني ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفِطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات؛ فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية؛ فأحكمت سَبْرَها، وانتقيت حُرَّها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلَّفها، ولا والله ما ملك قيادي قطُّ الإعجاب بشيء مما آتي به+. (4)
=وكان قَلَمُ ابن المقفع يقف كثيرًا؛ فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي؛ ليتخير+. (5)
وقال أبو هلال العسكري ×: =فإن ابتليت بتكلف القول، وتَعَاطِي الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة في أول وهلة، وتعصَّى عليك بعد إجالة الفكرة _ فلا تعجل، ودعْهُ سحابة يومك ولا تضجر، وأمهله سواد ليلتك، وعاوِده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة، وجريت من الصناعة على عِرْق+. (6)
(1) _ 3_ زهر الآداب للحُصْري القيرواني154_ 155.
(3) _ زهر الآداب للحُصْري القيرواني154_ 155.
(4) _ زهر الآداب ص151.
(5) _ زهر الآداب ص154.
(6) _ كتاب الصناعتين ص135.