فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 60

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمرُ بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة؛ فيقدم عليه الإنسان، أم لا؛ فيحجم عنه؟+ (1) .

ثم إن اللائق بالكاتب العاقل أن ينظر في العواقب، وأن يراعي المصالح؛ فلا يحسن به أن يبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ولا يلزمه أن يتكلم بكل نازلة؛ لأنه ربما لم يتصوَّر الأمر كما ينبغي، وربما أخطأ التقدير، وجانب الصواب، بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل ما يعلم حتى ولو كان متأنيًا في حكمه، مصيبًا في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولا كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يصلح للقول يصلح أن يقال عند كل أحد، أو في كل مكان أو مناسبة.

وإذا أراد أن يبدي ما عنده فليكن بتعقل، وروية، ورصانة، وركانة، وزكانة.

28_ الحذر من إملاءات الأحوال الخاصة، والظروف العامة

فالكاتب العاقل الحصيف المخلص يدرك شأن الكتابة، ويستحضر خطرها، ويستشعر عظيم أثرها؛ فتراه _وقت كتابته_ لا يستسلم لأحواله الخاصة من فرط غضب أو رضًا، أو استحسان أو استهجان، أو رغبة أو رهبة، أو ما جرى مجرى ذلك؛ لأنه إذا استسلم لذلك، فكتب حسب ما تمليه عليه حاله الحاضرة، ثم هدأت نفسه، وسكنت ريحه، واستقرت حالته _ ندم ندامة الكُسَعي بعد أن سارت كتابته مسير الشمس.

ولا يستسلم الكاتب العاقل _ كذلك _ لما يحيط به؛ فيكتب ما تمليه عليه الظروف لا الحقائق، فيلبس الحق بالباطل، ويصور المعروف بصورة المنكر، ويجحد لأحد فضلًا وهو يراه رأي العين، أو يشهد لأحد باستقامة السيرة وهو يراه منحرفًا عن سواء السبيل.

(1) _ تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن للسعدي ص154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت