فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 60

بل تراه لا يكتب إلا وفْقَ ما يمليه عليه دينه، وإخلاصه، وأمانته، ونزاهته، مستشعرًا وقوفه بين يدي ربه، مستحضرًا شهادة التاريخ عليه؛ فذلك من أعظم ما يردع قلم الكاتب عن أن يقلب الحقائق، أو يكسوها لونًا غير لونها؛ إرضاءًا لشخص أو طائفة؛ فلا يُخشى منه أن يناوئ الحق، أو يلبسه شيئًا من الباطل ولو أمطر عليه أشياع الباطل فضة أو ذهبًا.

قال العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مشيرًا إلى شيء مما مضى:

=ولأن يسكت العاقل مختارًا في وقت يحسن السكوت فيه خيرٌ من أن ينطق مختارًا في وقت لا يحسن الكلام فيه+. (1)

وقال: =وكلُّ نَطْقَةٍ تمليها الظروف لا الضمائر تثمر سكتة عن الحق ما من ذلك من بد+. (2)

وقال: =أما وظيفة السيف والرمح فهي الإنكاء في العدو، الإنكاء في العدو هو الغاية التي تنتهي إليها شجاعة الشجاع.

كذلك حملة الألسنة والأقلام يجب أن يكونوا؛ ليحققوا التشبيه الذي تواطأت عليه الأمم؛ فلتأتِهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا شيئين: القلم، واللسان؛ إن بيع القلم، واللسان أقبح من بيع الجندي لسلاحه+. (3)

29_ العناية بوضع التاريخ

والمقصود بذلك تاريخ الكتابة؛ فيحسن بالكاتب إذا انتهى من تحرير ما يريد أن يضع في خاتمته تاريخ اليوم الذي فرغ فيه من الكتابة؛ فلكتابة التاريخ فوائد كثيرة، منها معرفةُ السابق من اللاحق من الكُتَّاب، ومعرفة الناقل من المنقول منه.

ومن فوائد ذلك معرفة الأطوار التي يمر بها الكاتب إذا أراد أحدٌ دراستَه، وإلقاءَ الضوءِ على مؤلفاته، ومعرفة آخر أقواله، وما استقر عليه رأيه.

قال بعض الكُتَّاب: =التاريخ عمود اليقين، ونافي الشك، وبه تعرف الحقوق، وتحفظ العهود+ (4) .

وقيل: =الكِتَابُ بغير تاريخ نكرة بلا معرفة، وغُفْلٌ بلا سمة+ (5) .

(1) _ عيون البصائر ص17.

(2) _ عيون البصائر ص18.

(3) _ عيون البصائر ص18.

(4) _ أدب الكُتَّاب ص184.

(5) _ أدب الكتاب ص184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت