وقد حصل من وراء ذلك خلاف في هذا الحد الشمالي ، والسبب -والله أعلم- عدم وجود فواصل (تضاريسية) تقطع القول بالتحديد بمعلم ظاهر كالشأن في الجهات الثلاث إذا أحاطت بها البحار .
وإذا نظرت في الاختلاف - بعدُ - رأيته يرجع إلى أحد سببين:
الأول: المدلول الولائي (السياسي) ، فجزيرة العرب عنده: مالم يبلغه ملك فارسَ والرومِ .
الثاني: المدلول العمراني فيما بلغته العرب بسكناها ومنازلها ومرعاها وخَفَارتها على ديارها وأقاليمها .
ومن هذه الأقوال مالو أخذ على ظاهره لكان سبيله الرفض وعدم القبول ؛ كقول:"جزيرة العرب: المدينةُ وما والاها"، وهكذا ... وسنعلم توجيه هذه الخلافات في هذين التنبيهين:
التنبيه الأول:
في المروي عن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ما ظاهره التعارض في مسمى (جزيرة العرب) ؛ من حيث الإدخال والإخراج في أقاليم هذا المحدود .
-فعن الإمام مالك رحمه الله تعالى ثلاث روايات:
رواية ابن وهب عنه: أنه قال:"أرض العرب: مكة ، والمدينة ، واليمن"ومثله قال المغيرة بن عبدالرحمن .
رواية الزهري عن مالك قال:"جزيرة العرب: المدينة ، ومكة ، واليمامة ، واليمن". واليمامة كانت داخلة في عمل المدينة ، وكان أمرها مضطربا حسب الولاية في العصرين الأموي والعباسي ، فأحيانا تضاف إلى المدينة ، وأحيانا تفرد برأسها .
ماذكره الباجي ؛ قال: قال مالك:"جزيرة العرب: منبت العرب قيل لها: جزيرة العرب ؛ لإحاطة البحور والأنهار بها".
ومافي هذه الرواية الثالثة يلتقي مع التحديد المذكور .
وما في الروايتين قبلها ؛ يعني: ما كان عامرًا ، مشمول الولاية بالجملة وهذا يلتقي مع مفهوم من سبق من السلف لمسمى جزيرة العرب .
وفي"صفة جزيرة العرب"للهمداني عن ابن عباس ، وفي"المسالك والممالك"للبكري عن شرقي ابن القطامي وغيره: